د. عبدالله محمد الغذامي
من الحكايات الشعبية في مصر أن رجلاً كان يسيء معاملة زوجته وطال سوء عمله معها حتى نفذ صبرها ولم تجد من سبيل للخلاص من عذابها الا عبر الحيلة، وذلك انها صارت تتخفى خلف الجدار وتحكم الاختفاء حتى لا يلحظها احد، ثم كانت تأخذ بالكلام بصوت مبحوح لا هو صوت امرأة ولا هو صوت رجل، وكأنما هو صوت شبح ويبدأ الصوت بالكلام محذراً ومخوفاً الرجل من مغبة تعامله السيئ مع زوجته ويصدر الصوت اوامر على الزوج بإحسان االعشرة ويأمره بأن يشتري لها الهدايا ويكرم مقامها عنده، ويتكرر ذلك على الرجل كل ليلة خاصة حينما يكون في بداية منامه، وإذا حاول الرجل طرح سؤال على الصوت/الشبح جاءه الوعيد والتهديد والتخويف من المرض والعمى والإعاقة إن هو خالف أوامر الشبح.
ولقد انصاع الرجل للنداء وصار يطيع الشبح في كل شيء وينفذ الاوامر، وامتد ذلك زمناً غير قصير حتى جاء يوم تشكك فيه الرجل من هذا الشبح ومداومته عليه ليلياً، وصار يتفكر في الأمر واحتال لنفسه بحيلة اكتشف معها ان ذلك الشبح لم يكن سوى زوجته نفسها تختبئ خلف الجدار وتتنكر في صوت تمثيلي لكي تحقق مطالبها منه، ولكن هذا الاكتشاف لم يغضبه بقدر ما أغراه بأن يوظف هذه المهارة عند زوجته ليجعل منها مصدر ثراء جديد له عبر التحايل على الناس بالادعاء بأن في بيته جداراً يتكلم. وهكذا صار اذ شاع في الحي كله ان في بيت هذا الرجل حيطة بتتكلم، وفتح الرجل داره للمتطفلين وعاشقي العجائب وصار يأخذ عليهم المال مقابل ذلك، وانتشر الخبر في أنحاء المدنية كلها، وصارت الناس تسير في الشوارع، ويقول: (يا سلام سلم الحيطة بتتكلم) وهو ما صار مثلاً سائراً في مصر.
ولما شاع الخبر بلغ أمره الى رجال الدولة وسمع به الحاكم الذي تعجب من الحادثة ورغب في رؤية هذه الحيطة المتكلمة، وصحب معه رئيس القضاة وعلية القوم ورجال الدولة وحضروا لمنزل الرجل الذي اعد لهم مكاناً للاستقبال وحياهم فرحاً ببلوغ شأنه هذا المبلغ بسبب حيطة تتكلم، وتجهزت زوجته بما يلزم لأداء الصوت وتنفيذ التمثيلية على خير وجه، ولقد عم العجب على وجوه الزوار الكبار وعلى رأسهم الحاكم والقاضي وبلغ فيهم الأمر مبلغاً أوصلهم الى حد التخوف وصاروا يسترجعون ويهللون في حال أقرب إلى الرعب، وما هي سوى لحظات حتى تنبه أحد المرافقين من ذوي النباهة والملاحظة الدقيقة، وشك في الأمر مما حداه بأن يذهب من خلف الجدار ويلف على جوانبه حتى اكتشف وجود كومة من القماش وتحتها جسد يتحرك ولما مد يده على المخبوء تحت القماش لمس جسد المرأة مختفية من تحته، وهنا امسك المرافق بيد المرأة وسحبها إليه ثم نادى من خلف الجدار على الرجل يطلب منه ان يسأل الشبح عن مصير الحرب الدائرة في البلد المجاور، ولما لم يأت الجواب طلب منه سؤالاً آخر ويكرر الأسئلة في أمور كبيرة واخرى صغيرة والزوج المسكين يسمع طلبات المرافق من خلف الجدار وينادي على شبحه بأن يرد غير انه لا يسمع رداً ولا جواباً، وهنا خرج المرافق ومعه المرأة في أسمالها وقدمها للحاكم امام الناس وكشف لهم اللعبة، وانتهت القصة بأن عرف الحاكم ومعه القاضي سبب تصرف المرأة بهذا التصرف وان ذلك كان بسبب جور زوجها عليها، ولذا أمر الحاكم بمعاقبة الزوج واقترح القاضي خلع المرأة من زوجها غير ان المرأة توجهت للحاكم طالبة العفو عن زوجها ومبدية الصفح عنه، وهكذا انتهت الحكاية بالسلامة للزوجة من طغيان الزوج وفي الوقت ذاته خلاص الزوج من العقاب ولكنه افتضح امام الجميع وصار عبرة لغيره، وبقي من القصة المثل الشائع (ياسلام سلم الحيطة بتتكلم).
وهي قصة من قصص الذكاء السردي النسائي الذي يجنح الى الحيلة العقلية في حل المآزق، وهذا تراث عريض في الأدبيات النسائية تتملئ به كتب التراث مثلما تقوم عليه حكايات النساء في مجالسهن ومروياتهن، ولو بحثنا عن العقل النسائي التقليدي لوجدناه في الحكايات وما تبطنه القصص من معان منسوجة في تلافيف الحكي. والحكايات تأتي متوسلة بالمتعة وتسلية القصص لتحتال في توصيل رسالتها، وهناك نسق ثابت في القصص النسائية يعطي المرأة قدرة هائلة في الحيلة وهي نشاط عقلي يقوم على الذكاء والتخطيط الدقيق في حبكة التحايل وضبط القصة وتكون النتائج دائماً لمصلحة المرأة البطلة، ويندر ان تجد قصة يضحى فيها بالبطلة كما يندر ان تجد قصة تكون البطلة فيها غادرة.
وفي هذه الحكاية تأتي النهاية في صالح المرأة حسياً ومعنوياً فهي قد اكتفت هم عذاب زوجها، كما انها اثبتت وفاء له وصبراً عليه وعفواً عنه وأنقذته من بطش الحاكم وصارت هي صاحبة اليد عليه، بينما هو كان يعذبها من جهة ثم صار يستغلها من جهة ثانية بتوظيف موهبتها لأغراض مادية وللتحايل على الناس.
وهذه مفارقة سردية توحي بالتمييز بين اخلاق الرجال واخلاق النساء حيث المرأة معطاءة هنا ومتسامحة، بينما الرجل طماع وجشع ومستبد، وهذا تمييز يظهر كثيراً في قصص النساء وحكاياتهن، وهو ما يكشف الجانب الوظيفي في قصص النساء وينم عن وعي بهذه النسقية التي تؤكدها الوقائع الاجتماعية في تعامل الرجال مع النساء وفي رد فعل النساء الذي يغلب عليه التسامح والصفح خاصة في حكايات الامهات مع ابنائهن حيث تعفو الأم عن الابن مهما جنى في حقها، ويتبع ذلك مواقف الزوجات من الأزواج وصفحن متى ما تم رفع الضيم، وهو معنى تردده النساء بما انه حقيقة وتدل المرأة بعطائها وتسامحها وصبرها وعفوها عند المقدرة، وتؤكد على ذلك في كل مناسبة واقعية أو قصصية، وفي هذا تقاليد ثقافية عمومية في كل الثقافات والحقب.
ولن يفوتنا هنا ان نشير الى المعنى الرمزي وراء كلمة (الحيطة بتتكلم) وهي الجملة الصوتية التي تعتمد عليها القصة، وفي ذلك تلميح مجازي الى ان المرأة (الحيطة) خرجت من صمتها الطويل وصارت تتكلم وتفصح عن مظلمتها، وهذه الحيطة الصامتة نطقت وقالت وتصرفت، والساكت ينطق بعد طول صبر وتحمل، واذا نطقت الخرساء فعلت وغيرت، وهذا هو المجاز السردي في هذه الحكاية، حيث كانت المرأة مجرد حيطة خرساء في وسط البيت خاضعة خضوعاً تاماً لسلطة الرجل، ثم تحرك الصمت ليكون افصاحاً واحتجاجاً مدوياً، وهو ما احدث تعجب المدينة كلها وهي مدينة تعودت على الصامتين والصامتات، ولكنها قاعدة ثقافية جرى تهميشها في هذه الحكاية، وان كان النسق على قدر من القوة لإفساد هذه الرمزية الثقافية، وجاءت عبارة (الحيطان لها آذان) لتعيد تاريخ الصمت والخنوع، وهو صراع نسقي يأخذ أبعاده بين القص والقول الشائع في تعبيرات متبادلة وتوازنات نسقية محكمة.