تساءل ريتسوس مرة ألا يقترب بصورته الحاضرة من السفر؟ كان ريتسوس يعتقد أن الشعر هو سفر من الكلمات والفضاءات والعوالم المتنوعة، وحين وصلت إلى أثينا أدركت أن السفر مدن مصنوعة من الشعر، ونساء يحملن الحقائب الجلدية ويدخن السجائر البيض في المطارات، هذه هي المدن التي زرناها في اليونان، لم تكن بعيدة عن الشعر أبداً، لا أقصد الجزر المتناثرة في البحر أمام البلقان، المدن التي يغمرها ضوء أبيض ويغشي عينيك سطح المياه اللامعة تحت وهج الشمس الدافئة، ولا النساء اللواتي يستحممن في بحر اليونان، أو النساء اللواتي يرتدين البناطيل الضيقة ويصعدن المدرجات العالية إلى الأكربول، أو ماريلا الشاعرة القادمة من بيروس، والتي كانت تعد حقيبتها أمامي في فندق باخوس المطل على الميدان الكبير في أثينا، وهي تقول: «لا يا عزيزي أنا ذاهبة لأبحث عن الشعر في الباخرة ربيكا التي ستقلني إلى الإدرياتيك»...
لا الكابتن الذي كان ينظر إلى ملامح بيريوس، ولا المنازل المدورة فوق سطح الجبل المحيط بالميناء، ولا حاجز السفن أو الأرصفة أو السفن الراسية، أو أجراس البواخر، أو الأمواج التي ترتطم بالرصيف، أو الابتسامات التي يقدمها البحارة للمارة، أو ضحكات النساء للذين يلاحقونهن في بارات المرافئ، أو تحقيقات البوليس عن الجوازات والتصريحات وإجراءات الدخول، ولا الحركة التي لا تهدأ عند منضدة الجمارك.. تنفصل في ذهنك وأحلامك عن السفر؟... وماذا يزيد كل هذا عندي هو الشعر.. حين أسافر إلى بلد.. لا أفكر به إلا من خلال المخيلة الشعرية التي صنعته.. أو المخيلة الشعرية التي ولدت عنه.. ألم يقل سيفيريس عن قبرص: «أنا أعبد الشاعر الذي أوجدك هكذا.. مستلقية حالمة على البحر»... كنت أسأل نفسي ذلك وأنا أقطع المسافة بين بيريوس وأثينا وهي المسافة التي لا تزيد عن ثلث ساعة عبر محطة المترو أمونيا، كنت أصعد نحوها من تحت الأرض، أحمل حقيبة محزومة على ظهري وأسير، وأرقب المارة الذين يهرعون في الصباح لأعمالهم، الرجال الذين يسيرون وهم يحملون الصحف بأيديهم، النساء اللواتي يحملن السلال، الكسبة الذين يقفون بالطابور في محطة المترو أو عند ميدان الباصات، عمال التنظيف وهم يقشطون الأسفلت، موظفي البريد، وموظفات المصارف، سكرتيرات مكاتب السياحة، عمال الفنادق، باعة الصحف والمجلات في الأكشاك المنتصبة على الرصيف، عمال المطاعم الذين يرتدون الملابس الموحدة ويصفون الكراسي أمام المطاعم أو المقاهي، وهنالك السياح الأوروبيون الذين يستقلون الباصات الكبيرة ويذهبون للمدن الأثرية. إنهم المغامرون الصغار الذين يغادرون في الفجر الإرجواني ويتجهون في المنحدرات الترابية المرتفعة والمهجورة ويقطعون الأراضي السبخة والقنوات والمدقات غير المطروقة التي أقامها الأباطرة والقياصرة لتصل بهم إلى مكامن صيدهم عند البحر.
قلت في نفسي: هذا هو الوقت الذي ينام فيه .. الشاعر.. الحاكم.. والراقصة.. والسكران.. والعاشق.. وهو ما أدركه جاك بريفير حتماً في شعره... كنت أسأل نفسي تلك اللحظة بالذات عن الرحلة إلى المجهول، الرحلة إلى أثينا هي الرحلة إلى إيثاكا في شعر كافافيس، الرحلة الحافلة بالمغامرات المليئة بالمعارف، شريطة ألا تخشى مردة الألومب ولا إله البحر الغاضب، الرحلة إلى أثينا هي أن تسمع شاعرة بيروس المولعة بالحضارة الهيلينية، تتحدث وهي ترفع عينيها وتنفث الدخان من سيجارتها الكنت في وجهك، ثم تضع على كتفها حقيبتها الكاكية وترحل، وأنت مثل عامل قديم تقسم عندما يأتي الليل بنصائحه ومصالحته ووعوده بحياة أفضل، عندما يأتي الليل بعنفوانه، بعنفوان الجسد الذي يرغب ويطالب بالفرحة المحتومة ثم يعود خاسراً.
لقد سافر يانيسيس ريتسوس في السبعينيات من القرن الماضي إلى ميكونوس التي تشتهر بشواطئها الجميلة، والبوتيكات الأنيقة والملاهي الليلية. سافر إلى الجزيرة الإغريقية التي تملؤها المئات من الكنائس الصغيرة والطواحين الجميلة... فعرف جوهر الشعر... في أواخر التسعينات كنت تتبعت خطاه، رحلت إلى أثينا من قبرص، بعد أن اشتريت من مكتبة صغيرة مختاراته الشعرية، وأجرت في أثينا غرفة رخيصة، غرفة منزوية في الخفاء.. وعشت حياة أثينا المملوءة بالمغامرات والمعرفة، فعرفت هناك الحانة المشبوحة والمظلمة، النافذة المقورة التي تطلق الضوء الذي يبضع سواد الشارع، الزقاق القذر والضيق، أصوات الرجال الذين يلهون، النساء اللواتي يغنين، السرير المتواضع الذي يحمل الرغبات والشفاه المتوقدة، وهناك أنتيوخس الملك السوري في مغنيسيا... عرفت الشعر من الغفوة القصيرة المتقطعة على المصطاب الخشبية في الأولومب، من التمدد على العشب وأكل الساندويشات الرخيصة، من التعب بعد رحلة يوم طويل، من النساء والأحلام والفن، أغمض عيني وأهوي في دوامة بعيدة.. فتحيط بي أصوات متداخلة مع بعضها.. أبيات من الشعر.. ألوان تبزغ وتخبو.. همهمات.. صياح.. أصوات الحقائب وهي ترتطم على الخشب.. روائح .. عطور.. غبار على الأرضية الصلبة. قشور فواكه. ورائحة شواء الهمبرجر من الأكشاك القريبة.
ذهبت مع ماريلا إلى آيا نيكولاس الحي العادي في العاصمة أثينا الذي كان يقطنه الشاعر ريتسوس، تعرفت على صورته بقامته الطويلة وذراعيه النحيفتين وشعره المرسل إلى وراء وذقنه الرمادي، دخلنا حجرته التي تضم طاولة مستديرة وعلب سجائر محلية وسكيتشات لبابلو نيرودا، رأينا لوحاته الزيتية، وصوره الفوتوغرافية والبورتريهات الكثيرة، شاهدنا أصص الزهور التي نسقها بيده، قرأنا قصائده المكتوبة بخطه، وقلبنا كتبه الكثيرة والمتنوعة، لقد شعرت بوجوده - حتى بعد أن مات - وهو يشرب القهوة اليونانية ويأكل الكعك المحلي ذا الرائحة العطرة، ويقطع الطرق والأزقة القديمة في أثينا بحثاً عن مقهى بائس أو مطعم يرتاده العمال والفقراء والبحارة الهرمون... تعرفت على المكان، على أثينا الليل، وهي تعلّق فوانيسها الزيتية التي تتوهج وسط الضباب، واشترينا أنا وماريلا سمك السردين الطري، مثلما كان يفعل راهب القرية في شعر ريتسوس، وعدنا في الطريق الرئيسي حيث الصيدليات المناوبة، ومحطات الوقود المفتوحة، وأسلاك التلغراف التي تئز في الريح، هناك رأيت بائع الفاكهة الشاب الذي فتح مظلة سوداء كبيرة فوق عربته، ورأيت التضاد بين البرتقال الذهبي والمظلة السوداء، وسمعت صوت المطر الذي جعل المشهد جميلاً وغريباً وغامضاً... هذا هو السفر إلى أثينا.. إنه الشعر كما حلم به ريتسوس.