بحث



الجمعة 27 ربيع الأول 1426هـ - 6 مايو 2005م - العدد 13465

عودة الى مقالات

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


عالم البروكسي السياسي

سلطان بن مهنا المهنا
    سأل أحد الصحفيين السيد/ فينس لمباردي (Vince Lombardy) مدرب فريق جرين بي باكرز لكرة القدم الأمريكية (Green bay Packers) في بداية الستينات الميلادية وقال: مستر لمباردي معروف عنك أنك مدرب تشتم اللاعبين وتهزأ بهم أمام الناس، وأنك عصبي ومزاجك صعب جداً، فالفوز ليس كل شيء. فنظر إليه لمباردي وقال: «نعم الفوز ليس كل شيء - ولكن هو الشيء الوحيد» (Wining is not every thing but is the only thing)

هذه القصة تتلاءم تماماً مع دور الولايات المتحدة في الوقت الحالي خصوصاً بعد انتهاء الاتحاد السوفياتي فهي ليست أهم لاعب على المستوى العالمي فقط بل اللاعب الوحيد الموجود.

فدخول الولايات المتحدة كدولة عظمى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية زاد من مسؤولياتها ومصالحها حول العالم مما يستوجب الأمر الاهتمام أو تفعيل دور بعض الدول لتنفيذ مهام تتناسب مع «الأمن القومي الأمريكي» فلو نظرنا لدور إسرائيل في الشرق الأوسط نجد أن هناك مصالح مشتركة بين الطرفين، فإسرائيل تعمل على تحقيق أهداف الولايات المتحدة في المنطقة من جهة أخرى طموح إسرائيل في التوسع ومصادرة أراضي الفلسطينيين هو المقابل لتنفيذ الدور الأمريكي، إضافة للدعم المادي، العسكري والسياسي في قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل وغيرها من منظمات دولية، وعند حدوث أي خلاف بين الفلسطينيين - الدول العربية وإسرائيل تتبع الولايات المتحدة سياسة الشرطي الطيب والشرطي السيئ لتخفيف وليس لإيجاد حل نهائي للنزاع الفلسطيني - العربي وإسرائيل.

وبمناسبة الحديث عن الصراع العربي الإسرائيلي ودور الولايات المتحدة ومن يقف خلفه أرى أن العامل الأول المحرك للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط هو «الأمن القومي الأمريكي» وليس اللوبي اليهودي أو المحافظين الجدد أو غيرهم وليس العكس ومسمى الصقور أو الحمائم داخل الإدارات الأمريكية المتلاحقة ما هو إلا اختلاف في أسلوب التنفيذ وليس الهدف نفسه فالتطرف والتشدد ليس العجلة التي تقود «الأمن القومي الأمريكي» فمعروف عن الحزب الديمقراطي أنه أقل تشدداً من الحزب الجمهوري، ولكن لو عدنا للوراء لرأينا أن أكثر الحروب دموية التي خاضتها أمريكا في القرن العشرين كانت خلال حكم الديمقراطيين (الرئيس روزفلت الحرب العالمية الثانية - الرئيس ترومن بإلقاء القنبلة الذرية على هوريشيما ونجازاكي والتدخل الكامل في فيتنام خلال حكم الرئيس جونسن) فكلا الحزبين يعملان على تنفيذ سياسة الأمن القومي بغض النظر عن من يكون في البيت الأبيض.

فالأمن القومي الأمريكي لا يقوم على المنطق والصح والخطأ ولكن على حماية مصالح الولايات المتحدة أين ما كانت حول العالم، غزو العراق مثلاً، كثير من المحللين السياسيين يرجحون اعتماد الإدارة الأمريكية على مذكرة المحافظين الجدد «كلين بريك» كأحد الأسباب التي أدت لغزو العراق والتي توصي بالتخلص من صدام، فالمذكرة موجودة من عام 1996م وعرضت على الرئيس كلينتون عام 1998م، ولم يتم تنفيذها حتى عام 2003م بسبب إلغاء صدام التعامل بالدولار واعتماد اليورو في التعامل في مبيعات النفط هذا هو السبب الرئيسي وليس كما يردده البعض من أن الحرب على العراق قامت حماية لأمن إسرائيل كما توصي المذكرة من جهة أخرى في حرب العراق التقت مصالح الطرفين إسرائيل بالتخلص من خطر صدام والولايات المتحدة بالمحافظة على ما تسميه «بالأمن القومي الأمريكي».

هناك أفراد وشركات ودول تريد الاستفادة مادياً وسياسياً من الأمن القومي الأمريكي وإسرائيل والمتعاطفين معها أحد المستفيدين من حاجة الولايات المتحدة لإسرائيل في المنطقة سواء بتمرير مخططات أو اتباع سياسة معينة ضد دول المنطقة، ولكن المحرك الأول والأساسي هو ما يسمى «بالأمن القومي الأمريكي» حتى الرئيس الأمريكي بوش وباسم «الأمن القومي الأمريكي» أدخل معتقداته الدينية ويردد دائماً أنه أحد «المولودين المسيحيين الجدد» New Born Christian وأنه يتلقى تعليمات من السماء بشأن القرارات التي يتخذها، لذلك الكثيرون يستخدمون الزمن القومي الأمريكي لتحقيق مكاسب مادية أو سياسية أو للوصول لأغراض معينة أو للترويج لجماعات دينية مثل ما حدث مع الرئيس بوش.

من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى، فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتوقيع اليابان والولايات المتحدة معاهدة أمنية عام 1951م والتي تتعهد فيها الولايات المتحدة حماية اليابان من أي اعتداء خارجي ضمنت الولايات المتحدة ابتعاد اليابان كدولة تهدد أمن الولايات المتحدة.

لكن بنهاية الثمانينات وبداية التسعينات الميلادية وانتهاء الحرب الباردة ظهرت الصين كدولة تلعب دوراً مهماً على الساحة العالمية على المستوى الاقتصادي والعسكري خصوصاً في قارة آسيا، أو كما يسميها المحللون الأمريكيون منطقة «القوس المضطرب» الممتد من شمال شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، ولمواجهة الخطر المتزايد «للأمن القومي الأمريكي» بدأت واشنطن باتخاذ سياسة أكثر تشدداً من سياسة المناقشة والتواصل (Engagement) وسياسة الاحتواء والتحييد (Contanment) التي كانت متبعة سابقاً مع الصين التي من جهتها وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي بدأت تنظر إلى الأمور بشكل مختلف عمّا كان في السابق، وأضافت في تقرير لها عام 1994م اعتبار الولايات المتحدة عدوة للصين.

فالولايات المتحدة الآن بحاجة لحليف عسكري ليكون في مواجهة الخطر المتزايد من القوة العسكرية في الصين بالدرجة الأولى، بالاضافة لكوريا الشمالية، فالاستراتيجية الأمريكية الآن تسعى لتفعيل دور اليابان كدولة عسكرية من جديد ولعب دور أكبر للأمن القومي الأمريكي.

من أهداف الولايات المتحدة بجانب وضع اليابان في مواجهة الصين من الناحية العسكرية وتحمل جزءاً كبيراً من الميزانية الدفاعية التي تنفقها الولايات المتحدة من خلال العمل في 91 قاعدة ومقراً عسكرياً للدفاع عن اليابان، واشنطن تريد الاستفادة من التكنولوجيا اليابانية لتطوير برنامج الصواريخ الدفاعية البلاستية (BMD) الذي لم يحالفه النجاح في جميع التجارب حتى الآن، وتحمل جزءاً من النفقات العالية لتطوير برنامج الصواريخ الدفاعية البلاستية أو أية أنظمة مستقبلية. إضافة إلى إيجاد سوق جديد لمبيعات الأسلحة الأمريكية.

اليابان الآن في طريقها للعب دور أكبر ومهم للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأقصى وقد تصبح «بريطانيا الشرق الأقصى» كما ذكر بعض المحللين بالنسبة للولايات المتحدة ولكن المشكلة أن الدستور الياباني يحتوي على نص (فقرة 9) يمنع اليابان من استخدام القوة إلا في حالة الدفاع عن النفس.

في الوقت الحالي تحاول الولايات المتحدة التأثير على اليابان لكي تتخلى عن (فقرة 9) من الدستور الياباني حتى أن وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول وضع أحد شروط دخول اليابان كعضو في مجلس الأمن التخلي عن فقرة (9) من الدستور مع العلم أن الناتج القومي الياباني (GDP) يعادل 14٪ من نسبة لإنتاج العالمي إضافة إلى اليابان تتكفل بدفع 20٪ من ميزانية الأمم المتحدة. فهل تسقط اليابان فقرة (9) من الدستور؟ وتعود مرة أخرى للتسلح مما يعني الحصول على السلاح النووي الذي لم يكن متوفراً لليابان في السابق ولن يكون هناك عائق للحصول عليه، فهي تملك أهم الأسس الآن وهي: التكنولوجيا والمعدات - نظام الإطلاق والتوجيه بدقة - نظام الحمل وإلقاء الصواريخ النووية.

يبدو أن كزومي رئيس وزراء اليابان ينظر للأمور بنفس الاتجاه الأمريكي، فبعد وصول كزومي للسلطة عام 2001م بدأ بتعيين معاديين للصين ومتعاطفين مع استقلال تايوان التي كانت تحت الاحتلال الياباني لمدة خمسين عاماً (1895 - 1945) إضافة لذلك اليابان تبنت لأول مرة أجندة للسياسة الدفاعية والأخطار المحتملة التي تهدد اليابان ضمت كلاً من الصين وكوريا الشمالية وفي آخر اجتماع مشترك في 19 فبراير 2005م بين اللجنة الاستشارية الأمنية الأمريكية واليابان بجانب الاتفاق على تطوير نظم الصواريخ الدفاعية البلاستية حث الطرفان «الصين أن تكون أكثر شفافية في علاقاتها العسكرية» خصوصاً مع كوريا الشمالية وإيران أيضاً التركيز على زيادة اليابان لمشاركتها في الأمن العالمي مثل ما حدث في العراق ومشاركة اليابان ضمن ما يعرف «بدول التحالف» مما يعني مشاركة الولايات المتحدة مستقبلاً في التدخلات العسكرية تحت مسمى «دول التحالف» كحال بريطانيا الآن.

من جهة كوريا الشمالية «الأمن القومي الأمريكي» يتطلب تصعيد الموقف مع كوريا الشمالية بعدم إعطاء ضمانات بعدم مهاجمتها لدفعها للمزيد من التشدد فعندما وصف فريق المفاوضات الكوري الشمالي مندوب الولايات المتحدة السيد جان بولتن بأنه «وقح في تعامله معهم» لم يكن هذه بسبب مشكلة في شخصية السيد بولتن ولكنها وقاحة مقصودة لدفع كوريا الشمالية للمزيد من التشدد فلا يمكن أن يكون السيد بولتن أو غيره يقودون السياسة الأمريكية حسب مزاجهم أو أهوائهم من جهة أخرى زيادة مخاوف كوريا الجنوبية للحصول على السلاح النووي وتحمل تكاليف النفقات العالية التي تتحملها الولايات المتحدة للدفاع عن كوريا بالاضافة إلى الاستفادة من التكنولوجيا الكورية في تطوير الأنظمة الدفاعية ووضع كوريا الجنوبية كخط دفاع أول عن الولايات المتحدة لصد أية أخطار محتملة من الصواريخ الكورية الشمالية النووية.

ما يحدث الآن في الشرق الأقصى بين الولايات المتحدة - اليابان وكوريا الجنوبية من جهة والصين وكوريا الشمالية من جهة أخرى يشير إلى أن هناك تصعيداً قد يدخل المنطقة في سباق تسلح آخر لا أحد يعلم متى ينتهي.


عودة الى مقالات

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية