بحث



الجمعة 27 ربيع الأول 1426هـ - 6 مايو 2005م - العدد 13465

عودة الى مقالات

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


علاج الفكر المنحرف لا يكون إلا بفكر صحيح

نهار بن عبدالرحمن العتيبي
    «علاج الفكر لا يكون إلا بفكر مثله»، هذه عبارة صرح بها الأمير نايف بن عبدالعزيز وهو السياسي المحنك والخبير في الشؤون الامنية الذي أشرف مع ولاة أمرنا حفظهم الله على حفظ الامن في هذه البلاد ولله الحمد لعدة عقود نسأل الله ان يجزيه على ذلك خير الجزاء وان يبارك في عمره ويعينه ويسدده انه سميع مجيب، وقد سبق لي الاشارة الى بعض هذه الجوانب في مقالات متفرقة سابقة رأيت ان اجمعها هنا في مقال واحد مع اضافة ما يحتاج الى اضافة حتى تعم الفائدة وحتى يتحقق التعاون الذي دعا اليه سمو الأمير وفقه الله، نعم الفكر لا يعالج إلا بفكر مثله قالها سمو الأمير وصدق فإن الفكر المنحرف لا يمكن علاجه والقضاء عليه إلا بفكر صحيح سليم حتى ينتهي ذلك الفكر الخاطئ ويستبدل بفكر نير واضح معتمد على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولعل القارئ الكريم يتساءل عن أسباب نجاح علاج الفكر بفكر مثله وماهي الفائدة او الفوائد من علاج فكر بفكر وكيف تكون هذه المعالجة؟ وما هي الوسائل الممكنة التي يمكن الاستفادة منها واستغلالها في علاج الافكار المنحرفة واستبدالها بأفكار صحيحة سليمة.

وللاجابة على هذه الاسئلة فإني أعرض أبرز هذه الامور بشيء من الايجاز حتى لا أطيل على القارئ الكريم وهي كما يلي:

أولاً: أسباب معالجة الفكر المنحرف بفكر صحيح: هناك العديد من الاسباب التي تجعل علاج الفكر المنحرف بفكر صحيح علاجاً ناجعاً ومحققاً لمبتغاه من أهمها:

1- أن القناعات لا تزول إلا بقناعات: فالانسان معتنق الافكار المنحرفة قد ترسخت لديه قناعة ذاتية داخلية بصحة هذه الافكار ولا يمكن لصاحبها ان يتنازل عنها مهما كلفه ذلك وحتى لو ادعى انه ترك هذه الافكار عند معاقبته او ارادة معاقبته فإنه لا أحد يعلم صحة تركه لهذه الافكار ما لم تكن لديه قناعة بعدم صحة ما كان يعتقده وان الصحيح هو ما كان يجهله من الافكار الصحيحة التي لم يكن مقتنعاً بها في السابق، وهذا يتطلب مناقشته في الافكار التي كان يعتقد صحتها وهي في حقيقتها خاطئة وتكون هذه المناقشة مبنية على الدليل الشرعي من الكتاب والسنة واقوال ائمة العلم والهدى، فإذا اقتنع بما يسمعه من العلم الصحيح تخلص من هذه الافكار وابتعد عنها، وحذر غيره منها واصبح هو الذي يبين خطرها وفسادها لغيره من الاصحاب والاقران.

2-إن الفكر لا يمكن الوصول اليه إلا بفكر: فصاحب الفكر المنحرف قد لا يفصح عن ما لديه من افكار وقد ينكر اصلاً انه من اصحاب هذه الافكار حتى لو جلد او ضرب او سجن، وقد يتأثر شخص من الاشخاص بهذه الافكار ولا أحد يعلم به فيكون اشبه ما يكون قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت ولا أحد يتفطن له فيردعه او ينتبه له فيحاوره ويناقشه مع الجهد الواضح المبذول من قبل رجال الامن في معرفة مثل هؤلاء الاشخاص وهو مما يشكرون عليه وقد حققوا فيه نجاحات متتالية، لكن يبقى دور رجال الفكر والعلم من العلماء وطلبة العلم والمربين وكل منهم يكمل الآخر والمجتمع المسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً كما اخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم.

فالقلوب كما هو معلوم لا يعلم ما فيها إلا الله عز وجل، ولكن من الممكن ان تناقش الافكار المطروحة حتى وان لم يبح بها بعض من اعتنقها او تأثر بها وذلك بطرحها وطرح علاجها وطرح الشبه التي يوردها اصحاب هذا الفكر ومناقشتها ودحضها بالادلة الشرعية، فتتغير الافكار ويعرف الصحيح من الخطأ دون اللجوء الى معرفة ما لديه لأن الغالب ان الافكار المنحرفة يتناقلها اصحاب هذا الفكر ومحاورها واحدة كالتكفير مثلاً او التبديع او قتل المعاهدين ورجال الامن او غير ذلك من الافكار.

3- أن معالجة الفكر تؤدي الى اصلاح صاحب الفكر من داخله بخلاف ما لو تمت معاقبته فإن الافكار تبقى بداخله واما اذا اقتنع بالصحيح من الافكار كان صلاحه ظاهراً وباطناً وكانت علانيته بإذن الله وسريرته سواء، فلا يحقد ولا يحمل غلاً على أحد من المسلمين وهذا ما دعا اليه ديننا الاسلامي حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وهذا يدعو صاحب الافكار الى التعامل بنصح واخلاص ويؤمن شره ويحصل منه عند صلاح فكره على بذل الخير والاحسان لاخوانه المسلمين.

4- أن معالجة الافكار كانت موجودة منذ عهد النبوة فالنبي صلى الله عليه وسلم كان دائماً ما يعالج الافكار باقناع اصحابها بالافكار الصحيحة المبنية على الكتاب والسنة فإذا اقتنعوا رجعوا هم بأنفسهم عن ما كانوا عليه من الافكار الخاطئة، ومن الامور الدالة على هذا الامر قصة الشاب الذي جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في فعل الزنا ببنات او امهات الناس وهذا يدل على ان هذا الشاب كان لديه فكر غير صحيح ولذلك ناقشه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الفكر الخاطئ فقال له هل ترضاه لأمك قال الشاب لا قال هل ترضاه لأختك قال الشاب لا فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم واخواتهم، فاقتنع ذلك الشاب بأن افكاره السابقة كانت خاطئة وان الفكر الصحيح هو ما اقنعه به النبي صلى الله عليه وسلم، وما اجمل هذا الاسلوب التربوي من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ضرب لذلك الشاب مقارنة جميلة بين ما يريده من فعل الزنا وبين ما لا يريده من فعل الزنا بقريباته وان ما لا يرضاه هو لمحارمه فإن الناس لا يرضونه لمحارمهم فاقتنع الشاب مباشرة ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الشاب بعد ذلك قال الشاب «فخرجت من عند النبي صلى الله عليه وسلم وأبغض شيء عندي هو الزنا بعدما كان أحب شيء لديه».

والشواهد على اسلوب الاقناع في القرآن كثيرة جداً منها ضرب الله عز وجل الامثال وذكر قصص الامم السابقة، كما أمر سبحانه وتعالى بالاعتبار والتفكر والتعقل في آيات كثيرة ومن هذه الآيات قوله سبحانه وتعالى في ضرب الامثال {ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون...} وقال سبحانه {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون} وقال سبحانه طالباً من عباده الاعتبار من حالم الامم السابقة {أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم....} وقال سبحانه وتعالى طالباً من عباده التفكر والاعتبار {أفلا يتفكرون} {أفلا يعقلون} {فاعتبروا يا أولي الابصار} وغير ذلك من الآيات.

أما الوسائل والاماكن التي يمكن من خلالها علاج الافكار الخاطئة فهي كما يلي:

1- الدراسات المتخصصة:

وهذه الدراسات تقوم بدراسة تلك الظواهر واسبابها وعلاجها وذلك من خلال العديد من الوسائل المتخصصة في البحث العلمي وهذه الدراسات تكون من خلال:

أ - الجامعات والمعاهد المتخصصة: ويتم من خلالها الدراسة العلمية واعداد الرسائل كرسائل الماجستير والدكتوراه ونحوها بما يخدم علاج الافكار المنحرفة علاجاً جذرياً يؤدي الى القضاء على هذه الافكار وانهائها.

ب - الابحاث والمسابقات: سواء من خلال الجامعات والمؤسسات العلمية او غيرها من المؤسسات والجهات التي تعنى بعلاج مثل هذه الظواهر والجرائم التي تهدد كيان المجتمع بأسره مع ضرورة نشر نتائج هذه الابحاث حتى يطلع عليها اكبر عدد ممكن من المسلمين ويستفيدوا منها.

2- وسائل الإعلام: فلا يخفى على الجميع أهمية وسائل الإعلام في وقتنا الحاضر ووصولها الى معظم البيوت وهذا يجعل من هذه الوسائل وسائل ذات اهمية بالغة في علاج مثل هذه الافكار علاجاً علمياً مناسباً سواء كان هذا العلاج من خلال التلفزيون والقنوات الفضائية او الراديو او الانترنت او الجرائد او المجلات المتخصصة او غيرها.

3- المساجد: وهي من أهم الوسائل التي يمكن من خلالها علاج الافكار الخاطئة وبيان الافكار الصحيحة سواء من خلال خطب الجمعة التي تتكرر اسبوعياً او من خلال الدروس والمحاضرات والكلمات التي تتكرر يومياً في الغالب، مع ضرورة حرص الائمة على بيان فتاوى كبار العلماء وتوضيحها وفصيل ما يحتاج منها الى تفصيل والرجوع الى هؤلاء العلماء فيما قد يشكل من مسائل وتوضيحها للناس حتى يزول الاشكال والمسابقات الثقافية وغيرها من الوسائل المفيدة للشباب في دينهم ودنياهم.

5- المدارس: والمدارس من أهم الاماكن التي يمكن من خلالها تشكيل افكار الطلاب وتصحيح معلوماتهم بالاضافة الى تصحيح افكارهم الخاطئة، وتتنوع الانشطة الطلابية التي يمكن من خلالها ايصال الافكار الصحيحة الى كل طالب وتصحيح ما يحتاج الى تصحيح من الافكار الخاطئة التي توجد عند بعضهم ويمكن الاستفادة في ذلك كذلك من المراكز الصيفية والانشطة اللاصفية، اضافة الى المواد الدراسية التي يمكن من خلالها بيان الصحيح من الخطأ من الافكار وخطورة الافكار المنحرفة على الفرد والمجتمع وضرورة محاربة هذه الافكار وحاجة المجتمع الى الوقوف صفاً واحداً في محاربة تلك الافكار والقضاء عليها.

ولا يخفى على الاخوة الاعزاء ضرورة تفعيل هذه الافكار وتحويلها الى واقع عملي يتم من خلاله علاج هذه الافكار ومجادلة ومناقشة اصحابها او المتأثرين بها وبيان خطأ ما اعتقدوه ومجانبته للصواب والاستفادة من اصحاب التخصصات كل فيما يخصه فالتربوي يستفاد منه في الجوانب التربوية والاخصائي الاجتماعي يستفاد منه في الجوانب الاجتماعية وكذا الاخصائي النفسي يستفاد منه في النواحي النفسية والعالم يستفاد منه في الجوانب الشرعية وهكذا مع ضرورة التنسيق التام والتعاون فيما بين الجميع حتى تتحقق الثمار المرجوة والفوائد المبتغاة.

ولا يخفى عظم الدور المطلوب من الوالدين والاهل واهمية اهتمامهم بتوجهات ابنائهم وملاحظة ما يطرحونه من افكار ومع من يخرجون وأين يقضون اوقاتهم وماذا يشاهدون والحرص الشديد على مناقشة هؤلاء الابناء واقناعهم بالافكار الصحيحة والعاقل الحصيف يعلم ان الحلول المؤقتة او الانفعالات الآنية لا تحل مشكلة كمشكلة انحراف الافكار بل لابد من حلول جذرية علمية مناسبة متتالية ومستمرة حتى تنتهي المشكلة وتنتهي جذورها وهذا ما يدعونا جميعاً الى التكاتف والتعاضد والتعاون على منع انتشار كل فكر منحرف وتحذير ابنائنا واخواننا المسلمين من ذلك.

أسأل الله عز وجل أن يقينا سيئ الافكار وأن يحفظنا وولاة أمرنا وعلمائنا وبلادنا واخواننا المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن وان يرينا جميعاً الحق حقاً ويرزقنا اتباعه وان يرينا الباطل باطلاً وان يرزقنا اجتنابه، وصلى الله على نبينا محمد وآل وصحبه أجمعين.


عودة الى مقالات

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية