عندما قفز ذلك الشاب بكل جرأة وتحد كل الحواجز منطلقاً بابتسامته الكبيرة إلى داخل الملعب أثناء سير المباراة الكبيرة التي يقودها طاقم تحكيم دولي ويحضرها عشرات الآلاف ويشاهدها ملايين المشاهدين عبر العديد من القنوات الفضائية محلياً وعربياً وعالمياً عندها جعل هذا الشاب الجميع يضعون أيديهم على قلوبهم بسبب خوفهم من حدوث تصرف ما من ذلك الشاب وبالتالي ينذر هذا التصرف بوقوع مشكلة ما تعكس صورة سيئة أياً كانت طبيعتها .. ولكن انتهى هذا التصرف ولله الحمد بنهاية تباينت حولها ردود فعل كل المشاهدين .. فمنهم من أثارت لديه الضحك؟! ومنهم من أثارت في نفسه الغضب !! ومنهم من أثارت في نفسه الدهشة والاستغراب ؟!
طبعاً كالعادة انطلقت بعد هذا الحدث التكهنات والتبريرات حول مسببات هذا التصرف فالبعض قال إن هذا الشاب مريض نفسي؟! والبعض الآخر قال أنه جريء؟! والبعض الثالث قال إنه شاب ذو هدف ؟! هكذا توالت التبريرات التي تبحث عن سبب ذلك التصرف الذي أقدم عليه هذا الشاب !!
لكن المؤسف والمحزن أن المبرر الحقيقي ظهر خلاف ذلك كلياً .. فصاحب ذلك التصرف ليس سوى شاب جامعي يدرس في المستوى الثاني في كلية الشريعة بجامعة الإمام !! وذلك حسب ما ذكره في مقابلة له في جريدة الجزيرة .. وأن هدفه من ذلك التصرف ليس إلا التحدي والجرأة !! أو كأنه يبحث عن الشهرة التي لم تتحقق له إلا من خلال ذلك اللقاء الصحفي؟؟!! ولكنه بالطبع أخطأ كلياً في طريقه نحو الشهرة التي يبحث عنها!! واعتذر عن تصرفه وانه أخطأ ولكن تصرفه ذلك شاهده الملايين من الناس على الطبيعة بينما اعتذاره هذا لم يشاهده الا قلة جدا منهم .. وهذا التصرف قد يدفع بآخرين الى تقليده وتكراره بعد أن أدركوا أن هذا الشاب مارس هذا التصرف بسهولة وخرج من الموقف بسهولة أكثر؟؟ وقد نشاهد أساليب مختلفة في عملية التقليد ؟؟
فماذا يعني لنا مثل هذا التصرف ومثل هذا الحدث ؟؟ .. عندما نعايش جميعاً مثل هذا التصرف الطائش فإننا نتذكر أمثاله من هذه التصرفات التي نشاهدها ماثلة أمامنا في كل وقت وفي الكثير من المواقع وهي مواقف نتعايش معها في حياتنا اليومية وبالذات في الشوارع .. وعند الإشارات المرورية خاصة وفي الأحياء وعند ارتكاب المخالفات المرورية والأمنية.. إذن هل بحثنا بجدية صادقة عن حقيقة ودوافع ومسببات مثل هذه التصرفات والأفعال والممارسات الأمنية والمرورية التي ترتكب في حياتنا اليومية ويكون لها ضحايا وتسيء للمجتمع ؟!
نحن نخطئ كثيراً بل ونستمر للأسف الشديد في هذا الخطأ الذي نمارسه عند البحث عن مسببات مثل هذه التصرفات .. نعم نحن نخطئ ونظل نلقي باللائمة والمسؤولية في بروز مثل هذه الأخطاء والأفعال والممارسات السلبية من خلال مبرر «قلة رجال الأمن» من أجل تلافي ارتكاب مثل هذه الأفعال وهذا هو المبرر الذي يتردد بعد كل حدث وبعد كل تصرف سلبي !!
إن قلة أو حتى انعدام التواجد الأمني ليس المسؤول الأول والوحيد في مبررات هذه المشاكل والأخطاء والحوادث !! فالحقيقة تقول وتؤكد أن «الهيبة» الغائبة هي المسؤول الأول والأهم في تكرار مثل تلك الأفعال والأخطاء والتصرفات .. وغياب الهيبة بالطبع تتحمل مسؤوليته جهات كثيرة منها جهات شرعية .. وجهات إدارية .. جهات اجتماعية !! وعندما تفتقد الهيبة المفترضة والمطلوبة يفسح المجال كليا لبروز مثل هذه التصرفات بشتى صورها وأساليبها في كل مناسبة وفي كل موقع.؟؟
نعلم أن « الهيبة» تقوم على عنصرين أساسيين هما «الوعي .. والعقاب الصارم» وعندما يفقد المجتمع هذين العنصرين أو أحدهما فان المجال يفتح بأوسع أبوابه لظهور مثل هذه الأخطاء وتكاثرها وبالتالي قد يصعب لا قدر الله معالجتها بالسرعة المفترضة.
فالوعي .. والعقاب الصارم الرادع عنصران كفيلان بالقضاء التام على مثل هذه التصرفات في أي مجتمع والعكس صحيح فبغيابهما تتشوه معالم الحضارة الجميلة ويساء إلى التطور والتقدم وتنتشر الفوضى والخوف والذعر في حياة الناس ؟؟.
لذلك فإن تكثيف أعداد رجال الأمن ورجال المرور وإظهار الصورة العسكرية بكافة تخصصاتها وإعدادها وبآلياتها بصورة ظاهرة للعيان في كل الميادين والشوارع ليس هو الحل الامثل ولن يكون كافياً في ظل غياب الهيبة التي أساسها العقاب الرادع والصارم بحق كل من لا يحترم الأنظمة ؟! وإن تكثيف أعداد رجال الأمن ليس المطلب الأول وليس هو بالحل المفقود لمعالجة مثل هذه السلبيات ولكن للأسف الشديد يظل الكثيرون يخطئون في تكرار مطلب تكثيف رجال الأمن في مثل هذه الشوارع والميادين والمناسبات 0
على سبيل المثال في إحدى المباريات الأوروبية التي أقيمت خلال هذا الأسبوع كان هناك حدث عكس ذلك فكانت المباراة أهم بكثير وكان الحضور أكثر .. وكان تواجد الجمهور لا يبعد عن اللاعبين وعن أرضية الملعب سوى بضع خطوات قليلة جدا ولم يكن هناك أي تواجد مكثف لرجال الأمن ومع ذلك لم يتجرأ واحد من هذا الجمهور بالنزول إلى أرض الملعب رغم أنه بالسهولة جداً أمامه ذلك !! فماذا يعكس لنا هذا الحدث !! أيضا في معظم الدول ومنها الدول القريبة منا تخلو شوارعها كليا من رجال المرور ومن رجال الأمن ومع ذلك نجد الجميع ملتزمين تلقائيا بالنظام المروري بأدق صوره بل ونرى هناك الاحترام الكلي والامثل لكل الأنظمة ومنها الأنظمة الأمنية والمرورية واحترام حقوق الناس!!
فما هو مبرر ذلك ؟؟ إنه الوعي ..نعم انه الوعي أولا ؟؟ وثانيا إنه العقاب الذي ينشده الجميع بحق كل من يرتكب مثل هذا التصرف ؟؟، لذلك فإن مطلب تكثيف التواجد الأمني لم يعد مطلباً حضارياً في معالجة مثل هذه المشكلات بقدر ما نحتاج إلى هيبة صارمة جداً تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح والقويم والمفقود لكي يدرك كل من قد يفكر مجرد تفكير !! بان في ارتكابه أي تصرف أو أي خطأ أو من يتجاوز الأنظمة والتعليمات أن أمامه عقاباً كبيراً وعسيراً وصارماً وفورياً معنوياً ومادياً ؟؟!! عندها سنقضي تلقائياً على مثل هذه التصرفات .. ولن نحتاج إلى نشر رجال الأمن !!
فهل تعود الهيبة المفقودة ليعود معها النظام ؟! هذا ما نحتاجه حقيقة .. فلدينا ولله الحمد تنمية جبارة في كل المجالات فقط تستحق هذه التنمية من يقدرها وألا يشوهها بمثل هذه التصرفات وهذا لن يتحقق إلا بعودة «الهيبة»!! وعلينا الا نحمل أجهزة الأمن مسؤولية مثل هذه الأحداث والتصرفات التى أفرزها غياب الهيبة؟؟!
alshaikh@alriyadh.com