لا شيء يثير الفضول في اعتقادي أكثر من نغمة الرسائل على الهاتف المحمول.. رغم أكذوبة جوائز الهمر وال (BMW) التي تبثها علينا بسخاء مفرط شركة الاتصالات عبر ما يسمى بخدمة ال «700» حيث لم تستطع كل تلك الأكاذيب التي تريد أن تبتز المغفلين أن تصادر فضول أي منا ولهفته في استعجال فتح الرسالة..
قبل بضعة ليال.. كان الوقت بعد منتصف الليل حينما غرد هاتفي المحمول معلنا عن قدوم رسالة ما أو «مسج» بلغة «الموبايليين».. طوحت بأمين معلوف الذي كنت أقرأه لحظتها إلى أقصى السرير.. لأفتح الرسالة مصطحباً معي نفس ذلك الشعور الذي يعتورني عادة حينما اكتشف أنها مجرد رسالة نصب تحت اسم اليانصيب وباسلوب.. «فقط اتصل وسجل رقمك لتربح الهمر»!! كم كرهت هذا الهمر!!
لكن الأمر هذه المرة ليس كذلك، ولا هو نكتة من تلك النكات غير المحتشمة وغير المحجبة.. التي تملأ حافظات هواتفنا حتى نضطر من حين لآخر للتخلص منها لاستقبال المزيد.. كانت بحق رسالة مختلفة هذا هو نصها: «أبومحمد - الذي هو أنا طبعا.. هكذا أكنّى - إن أسعفتك قواك أن تؤبن أباعبدالعزيز عنك وعني بمناسبة مرور عام على غيابه.. لا تتردد لعلي أستطيع أن استوعب هذا الغياب الذي لم يتمكن حتى اللحظة من مصادرة الحضور!!».
ياا لله عليك يا سعود الطرجم - أحد الأبناء الروحيين للوالد الفقيد فهد العلي العريفي تغمده الله بعظيم رحمته - ما الذي دفعك لارتكاب هذه الرسالة المؤلمة؟ ما الذي جعلك تظن مجرد الظن أن ثمة من يعرف هذا الرجل ويعرف حجم حضوره.. ثم يمكن أن تكون له قوى لاستيعاب رحيله. من قال لك أصلاً إنه مات؟ هناك أسماء قد تموت فيزيائياً.. لكنها لا يمكن أن تموت الموت بمعنى الغياب من الذاكرة..
هذا الرجل يا صديقي والذي تعلمنا منه أنت وأنا وكثيرون غيرنا... أو توهمنا أننا تعلمنا.. سفر ضخم من قيم النبل التي كانت تشكل شخصيته فكرا ولحماً وعظماً ودماً.. هذا الرجل الذي لا يمكن أن تستوعبه كل مفردات الرثاء، هذا الرجل الذي لا تملك حينما تجلس إليه الا أن تتعلم أنبل القيم مهما كنت حماراً أو لصاً أو حتى قاطع طريق..
هذا النوع من الرجال لا يمكن أن يؤبن أو يُرثى يا صديقي .. تعرف لماذا؟ لأنه حتى وإن غاب بجسده فإنه سيبقى حتماً فيما حفره في ذاكرتنا بخصاله بشيمه، ببساطته، بعنفه في مواجهة الباطل.. سيبقى أكثر حياة ممن يتنفسون شهيقا وزفيرا لكنهم في عداد الموتى منذ أن رهنوا حيواتهم للمطامع الشخصية والاثراء كيفما اتفق على حساب كل الفضائل التي عاش ومات من أجلها رجل اسمه فهد العريفي.
لقد قلت قبل أيام في حديث مع صحيفة الحياة: إن رجلاً بوزن فهد العريفي لا يمكن أن يرثى تعرف لماذا؟ لأن الجغرافيا التي تتشكل من خلالها الحدود السيادية لشخصية بهذا الحضور والتأثير لا يمكن اختزالها بذلك الحيز الذي يضمك ويضمه معا في مكان واحد.. لأنه كان بوطنيته.. بأخلاقياته برقي إيمانه بالوطن والمواطن والأمة.. كان دائما أكبر من أن يتم تأطير شخصيته بجملة من الكلمات.. لذلك لا سبيل أمام كل من يعرف الفقيد حق المعرفة سوى الاعتراف بأنه سيظل خارج إمكانية الرثاء.. خارج امكانية التأبين.. أسأل الله تعالى أن يجازيه بحجم نفعه للآخرين وأن يتغمده بواسع مغفرته ورضوانه..
٭٭ بين الحياة والحياة:
يارب حيّ تراب القبر منزله
ورب ميْت على أقدامه انتصبا!!
fsalman@alriyadh.com