والحقيقة أن البنية الأساسية لحزب العمال لم تسمح له بان يكون في يوم من الأيام حزبا راديكاليا بل دفعته دائما إلى الابتعاد عن الاشتراكية وعن الأطروحات الأيديولوجية الجامدة. وحيث إن شخصية زعيم الحزب لعبت طوال التاريخ دورا رئيسيا في فرص وصوله إلى السلطة
في الأيام القليلة الماضية، حيث كانت العملية الانتخابية في ذروتها، أعلنت معظم الصحف البريطانية عن تأييدها لحزب العمال، في حين قال رئيس الوزراء توني بلير إن كلا من المحافظين والديموقراطيين الأحرار يركزون على قضية العراق لأنه ليس لديهم شيء مهم يقولونه عن القضايا الأخرى.
وقلما تحتل السياسة الخارجية موقعا رئيسا في الانتخابات البريطانية، غير أن الأمر اختلف هذا العام، حيث «يستحق العراق أن يكون قضية مركزية في هذه الانتخابات، ليس لما قد حدث وحسب، بل أيضا لما قد يحدث في المستقبل» - كما قال تشارلز كينيدي، رئيس حزب الديموقراطيين الأحرار.
ومن جهتهم، اتجه المحافظون للمزايدة على حكومة العمال فيما يتعلق بالعراق، فهم كانوا يؤيدون عملية تغيير النظام في بغداد ويتهمون الحكومة بتقليل نفقات الدفاع. ويريد المحافظون في الوقت نفسه استقطاب ذلك الجزء من المجتمع الذي أعجب بقرار بلير في شن الحرب على نظام صدام حسين ورأوا فيه رمزا لإحياء القوة البريطانية.
وكانت هجمات أيلول سبتمبر في الولايات المتحدة والحرب ضد الإرهاب قد حولت توني بلير من سياسي لديه جدول أعمال محلي متخم إلى زعيم حرب أدى موقفه تجاه غزو العراق إلى انقسام الرأي العام وإلى انقسام حزبه.
وقد تدهور وضع حزب العمال قبل عامين بخسارته 700 مقعد في انتخابات المجالس البلدية التي يقوم الناخبون باختيار عشرة آلاف عضو فيها في كافة أنحاء البلاد، وهي أسوأ نتيجة يحققها منذ نهاية السبعينيات. وفقد الحزب سيطرته على مجلس مدينة برمنغهام، ثاني اكبر مدن بريطانيا، وفي مناطق أخرى تعد معاقل تقليدية للعمال ومناطق تسكنها تجمعات كبيرة من المسلمين، وذلك بسبب معارضة كثير من ناخبيها لمشاركة حكومة العمال في حرب العراق. وعلى النقيض من ذلك، تمكن حزب المحافظين من أن يصبح أكثر الأحزاب وجودا في المجالس البلدية، كما استطاع حزب الديمقراطيين الأحرار من زيادة مقاعده بمقدار 159 مقعدا.
وفي برنامجه الانتخابي الأخير، تعهد حزب العمال بتطوير الخدمات العامة والحفاظ على استقرار الاقتصاد وتثبيت معدل التضخم عند اثنين في المائة، والأمر الأخير قد يلزم بنك إنكلترا بتعديل معدلات الفائدة.
وشمل البرنامج الانتخابي للعمال الكثير من الوعود الأخرى مثل رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة نسبة العاملين من 75 في المائة إلى 80 في المائة ممن هم في سن العمل، كما أكد البرنامج عدم زيادة الحدين الأدنى والأقصى لضريبة الدخل. وكان هذا الالتزام محورا رئيسيا للعمال في انتخابات 1997 و2001.
بيد أن المعهد الوطني البريطاني للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية توقع أن يقدم حزب العمال في حال فوزه بالانتخابات العامة على زيادة نسبة الضرائب. وقال المعهد في دراسته الفصلية للاقتصاد البريطاني، التي نشرت الشهر الماضي، إن مثل هذه الزيادة تبدو ضرورية رغم أن أسعار النفط المرتفعة حافظت على توازنها لتدر موارد مالية ضخمة على الميزانية البريطانية.
وكانت إحصائيات رسمية قد أظهرت أن الاقتصاد البريطاني شهد نموا بلغت نسبته ستة بالمائة خلال الربع الأول من العام الحالي رغم انخفاض إنتاجية القطاع الصناعي. وتتسق النسبة التي أعلنها مكتب الإحصائيات الوطنية مع توقعات الخبراء بوجود تباطؤ بعد أن كانت نسبة النمو في الربع الأخير من العام الماضي قد بلغت سبعة في المائة.
ويرغب حزب العمال حاليا في صب جهوده على قطاع الخدمات العامة، حيث قضى الفترتين الأولى والثانية في التركيز على الاقتصاد مستهدفا تخفيض الفوائد ونسبة التضخم والبطالة، بالإضافة إلى زيادة مستوى النمو الاقتصادي.
والمعروف أن حزب العمال قد أقدم قبل سنوات على إلغاء البند الرابع من ميثاقه الذي يلزمه بعمليات التأميم، وكان ذلك بمثابة تحرك ذي مغزى من الحزب للانسلاخ عن الماضي القريب من اليسار. وهنا تمت إعادة ترتيب موقع الحزب في يسار الوسط، وبات يطلق عليه حزب العمال الجديد، وتعود هذه التسمية إلى فترة وصول توني بلير إلى زعامة الحزب.
وهدف التوجه الجديد لأن يكون بمثابة ممثل لتيار وسطي يتجاوز الأطروحات اليسارية ذات الطابع الأيديولوجي ويقترب من الأطروحات الليبرالية. وتم التعبير عن التوجه الجديد بالقول انه «طريق ثالث». وعبر بلير عن هدف الطريق الثالث بالقول إنه يرمي إلى النجاح على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي بمعزل عن اللون الأيديولوجي، «إذ لا يهم أن يكون التوجه يساريا أو يمينيا»، إنما أن يكون برنامجا.
والحقيقة أن البنية الأساسية لحزب العمال لم تسمح له بان يكون في يوم من الأيام حزبا راديكاليا بل دفعته دائما إلى الابتعاد عن الاشتراكية وعن الأطروحات الأيديولوجية الجامدة. وحيث إن شخصية زعيم الحزب لعبت طوال التاريخ دورا رئيسيا في فرص وصوله إلى السلطة.
وفي الأصل، تأسس حزب العمال في العام ألف وتسعمائة بهدف حماية حقوق الاتحادات العمالية ومنح الطبقة العاملة الحق في أن يكون لها صوت في الحياة السياسية. ولدى تشكيل حكومة وطنية خلال الحرب العالمية الأولى، حصل الحزب على مقاعد وزارية لأول مرة وتعرف على معنى السلطة السياسية. وتدهورت شعبية الحزب بعد الحرب الأمر الذي حمله إلى مقاعد المعارضة الرئيسية. وعلى الرغم من أن العمال استلموا زمام الحكم مرتين، إلا أن حكوماتهم لم تستمر في السلطة فترات طويلة. وبعد ذلك جاءت الحرب العالمية الثانية لتغير مسيرة الحزب. وفي العام 1945 حقق العمال فوزا كاسحا.
وشهدت بريطانيا بعد الحرب قيام دولة الرفاه وتأميم الصناعات الرئيسية مثل الفحم والصلب والسكك الحديدية. إلا أن خيبة الأمل ما لبثت أن تبعت ذلك حين فاز المحافظون في انتخابات 1951، وأدى الانتعاش الاقتصادي إلى إبقاء العمال خارج السلطة لثلاث عشرة سنة متصلة. وفي الستينيات تمكن حزب العمال بعد أن أعيد تجديده برئاسة هارولد ويلسون من استعادة السلطة، إلا أنه عاد يتأرجح.
وفي انتخابات 1979 تخلى الناخبون عن العمال واحتلت مارغريت تاتشر مقر رئاسة الوزراء في داوننغ ستريت، وكان ذلك إيذانا ببداية ثمانية عشر عاما من بقاء العمال في مقاعد المعارضة وبأكثر الفترات الحالكة في تاريخ الحزب. وقد فاز المحافظون في أربعة انتخابات على التوالي.
وجاء التحول الكبير في انتخابات 1997 حين بدا للمواطن البريطاني أن حكومة المحافظين لم تعد تملك شيئا جديدا، وهنا كان فوز العمال ساحقا.
وبعد ثمانية أعوام من ذلك الفوز التاريخي، فان قرار بلير عدم خوض انتخابات رابعة (انتخابات العام 2009) أثار سؤالا عمن سيخلفه في زعامة الحزب. ولكن أيا كان الخليفة، سواء غوردون براون أو أحد المقربين الآخرين من رئيس الوزراء مثل آلان ميلبورن، فان اعتزال بلير للسياسة سوف يسدل الستار على سياسي موهوب حلق عاليا في سماء الحياة العامة البريطانية.
وبالعودة إلى الحملة الانتخابية الأخيرة، فقد رأى حزب العمال إنه لو نجح الديمقراطيون الأحرار في الانتخابات فإن هذا قد يعني تسلل حزب المحافظين من الباب الخلفي عن طريق حكومة ائتلافية.
وكان حزب العمال قد استطاع جذب من كانوا يعرفون تقليديا بولائهم للمحافظين كالطبقة الوسطى والكهول وسكان وسط بريطانيا، وهو بذلك يتنافس مع الديموقراطيين الأحرار في الساحة نفسها.
وكان حزب الديموقراطيين الأحرار قد نشأ في مرحلة مخاض شهدتها الساحة السياسية البريطانية عام 1832، حيث أصبح الليبراليون والراديكاليون ينافسون الحزب الأرستقراطي الأهم شأنا آنذاك. وقد أدى انقسام في صفوف المحافظين إلى انتقال العديد منهم إلى صفوف الليبراليين، فظهر الحزب الليبرالي في منتصف القرن التاسع عشر. وفي العام 1988، التحم الليبراليون مع الحزب الديموقراطي الاشتراكي لتكوين حزب واحد، هو الديموقراطيون الأحرار كما يعرف الآن.
وقد اتجه الديموقراطيون الأحرار في عهد زعيمهم السابق آشداون للتعاون مع حزب العمال، خاصة في المجالات التي كانت للحزبين فيها نظرة موحدة. بيد أن العلاقات أصيبت بالفتور بعد تولي تشارلز كيندي قيادة الليبراليين. ونظرا لسياساته الاجتماعية، وجد الحزب نفسه في يسار الوسط، أي في نفس مجال حزب العمال. وهنا تزايدت حساسية العلاقة بينهما، وهو الأمر الذي بدا جليا في الحملة الانتخابية الأخيرة.
وقد ركز الديموقراطيون الأحرار على إحلال ما يطلق عليه ضريبة الدخل المحلي بدلا من ضريبة المجلس البلدي، وتوفير رعاية شخصية مجانية لكبار السن،ورفع المعاشات لمن تجاوزوا الخامسة والسبعين.
واتهم الديموقراطيون الأحرار حزب العمال بالخوف من نشاطاتهم، فيما وصفوا حزب المحافظين بأنه «حزب الأمس». كما اتهم الديموقراطيون الأحرار حزب المحافظين باعتماد أساليب حقودة في حملته الانتخابية ومخاطبة أسوأ الغرائز لدى الناخبين. وعندما أعلن المحافظون أن موضوع الهجرة سيصبح موضوعا محوريا في حملتهم، سارع تشارلز كنيدي لاتهامهم بالإفلاس، مؤكدا أن المهاجرين ساهموا في سد النقص القائم في مجال الخدمات العامة في البلاد، ولا ينبغي أن يخترع البعض «مناظرة مفتعلة» بشأن دورهم.
وكان مايكل هاوارد زعيم المحافظين قد لجأ إلى نشر إعلان على صفحة كاملة في أسبوعية «صنداي تليغراف» للترويج لخطط الحزب الرامية إلى الحد من الهجرة واللجوء السياسي إلى البلاد. ويقول المحافظون استنادا إلى التوقعات الحكومية إن عدد سكان بريطانيا سيزداد بنسبة 6,1 في المائة خلال الثلاثين عاما القادمة، وإن نسبة المهاجرين ستشكل 84 ٪ من هذه الزيادة. ويشيرون إلى أن عدد المهاجرين إلى بريطانيا وصل في المتوسط إلى 157 ألف شخص سنويا، وذلك خلال السنوات الست الأخيرة.
والمعروف أن العاصمة البريطانية على وجه التحديد قد أصبحت مغناطيساً شديد الجذب يستقطب إليه أناسا جدداً بوتيرة أسرع من أي مدينة أخرى في أوروبا. وقد أظهر تقرير بريطاني أن سكان العاصمة مرشحون للارتفاع إلى 8,15 ملايين نسمة بحلول عام 2016، وهو ازدياد يفوق بكثير كل التنبؤات.
وعلى الرغم من ذلك، فإن تنفيذ اقتراحات المحافظين بشأن الهجرة يعني انسحاب بريطانيا من اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة باللاجئين التي تلزم الدول بقبول هؤلاء حسب مدى احتياجهم للجوء، وليس وفقا لعدد معين من اللاجئين.
وقد وصف رئيس مجلس المهاجرين في بريطانيا مايف شيرلوك خطط المحافظين بأنها «خطيرة وتعكس خللا في التفكير وغيابا للإحساس بالمسؤولية». وتساءل شيرلوك «هل سنقول لشخص هارب من التعذيب على أيدي الشرطة السرية في نظام موغابي «نأسف، فقد استنفذنا نصيبنا من المهاجرين.. فلتحضر العام المقبل؟».
وعلى صعيد الخدمات العامة، قال الديموقراطيون الأحرار أن لديهم خطة لتعيين 21 ألف مدرس جديد وتخفيض عدد الطلبة في كل فصل دراسي وبخاصة في مرحلة التعليم الأساسي. وأنهم سوف يخصصون 230 مليونا من الجنيهات الإسترلينية خلال الدورة البرلمانية القادمة لتحسين نوعية التعليم في ست مواد رئيسية تشمل الرياضيات واللغة الإنكليزية والعلوم واللغات الحديثة وعلوم وتكنولوجيا الاتصال. ورأى الليبراليون أن التعليم بصفة إجمالية يحتاج لأن تخصص له خمسة مليارات جنيه إسترليني وأن تلك المبالغ يجب أن تقطع من بنود أخرى في الموازنة العامة للدولة.
والليبرالية، بصفتها فلسفة سياسية، نشأت من الإيمان بحقوق الشخص الفردية وحرية الاختيار، وهي اليوم تيار سياسي يمكن الدولة من لعب دور في العمل من أجل تكافؤ الفرص ومحاربة الفرق والتمييز.
وعندما قالت حكومة العمال بأنها سوف تخصص نسبة 0,7٪ من الدخل القومي لمجابهة الفقر في العالم بحلول عام 2013. رد الديموقراطيون الأحرار بالقول إن حزبهم يمكن أن يخصص نسبة ال0,7٪ من الدخل القومي لمساعدة الدول الفقيرة بحلول عام 2011.
وقد تعهدت بريطانيا في مطلع هذا العام بسداد 10٪ من قيمة الديون الخارجية للدول النامية في محاولة منها لمكافحة الفقر. وطبقاً لتلك الخطة التي ستكلف البلاد مليار جنيه إسترليني، ينبغي على الدول المستفيدة منها، أن تنفق المبالغ التي تدّخرها نتيجة تخليصها من بعض الديون على الخدمات الصحية والتعليمية والرعاية الاجتماعية.
ومن جهتهم، استخدم المحافظون أربع صحف قومية لنشر إعلانات تروج «لبرنامجهم من أجل العمل». وقد حدد زعيم المحافظين مايكل هوارد تواريخ معينة تفي الحكومة المحافظة فيها بتعهداتها بشأن الجريمة والصحة والتعليم والهجرة والضرائب.
بيد أن خطط المحافظين الرامية لتقليص الإنفاق العام بمقدار 35 مليار إسترليني ستمنعهم عمليا من تحقيق وعودهم، فالجدل مازال دائرا في بريطانيا حول قوائم الانتظار في المستشفيات وارتفاع مصاريف التعليم العالي. وكان هاوارد نفسه قد فرض الضريبة الانتخابية المكروهة عندما كان وزيرا في حكومة المحافظين، وهو الذي اشتهر بسياساته الصارمة فيما يخص تطبيق القوانين، حيث رأت الحكومات الأوروبية أن الكثير من القوانين التي سنها غير مشروعة.
بيد أن حزب المحافظين بوسعه الزعم بأنه أقدم حزب سياسي في أوروبا، ولديه التزام بالملكية الخاصة والتجارة الحرة. وعلى الرغم من ارتباطه بملاك الأراضي والطبقة الأرستقراطية ومؤخرا الطبقة الوسطى إلا أنه سعى لتجاوز الحدود الاجتماعية.