من أصعب الأشياء التي يمكن أن تواجهها هنا هو أن تهيئ مناخ صغير للمزاح مع أشخاص لاتعرفهم. إذا كنت في مزاج جيد للمداعبة وأردت أن تخلق مثل هذا المناخ فإنك في الغالب لن تنجح في ذلك. التعليقات الطريفة التي ستقولها لن تجد أشخاصاً متجاوبين معها وستبدو سخيفة جدا.
في احدى المرات حاولت أن أضحك مع شاب سعودي يقف على نافذة طلبات السيارات لاحد محلات الوجبات السريعة ولكن ملامحه العصيبة بددت أي فرصة للضحك وجعلت الوضع متوترا وعدائيا. وفي إحدى المرات تعاملت بشكل أرعن مع شخص سألني بعد أن صورت طفليه الرائعين في أحد المجمعات التجارية وانا في مهمة صحفية عن الموعد التي يمكن أن يحصل عليها فقلت بعد يومين إلا أنه رد مازحا :(ألا يمكن أن تخرجها لي الآن). نظراتي الحادة غير المهذبة قطعت ضحكاته المنشرحة وتبدد تماما المناخ اللطيف الذي كان يرغب بخلقه وانا أردد عليه جملتي الهازئة هذه : (أنت تتعامل مع إنسان بإمكانات شخص عادي وليس بإمكانات ساحر). على الفور شعرت بخطئي ولكني مع ذلك لم اعتذر له مع انه ظل يتنقل في المكان وهو يلاعب أطفاله. كان ذلك دليلاً واضحاً على خشونة الشخصية وصلفها واخلاقها البدوية. مايؤسف حقا أن الكثير من ابناء جلدتي يشاركوني بهذه الشخصية. بدون أي منطق وترتيب عقلاني وبسبب جملة طارئة غير مفهومة فاقدة للياقة يمكن أن تدخل مع شخص غريب في حوار مشدود .أكبر مكان تلاحظ فيه هذا الشيء عند موظفي الخطوط السعودية . حاول ان تكرر عليهم السؤال عن رقم البوابة التي ستعبر منها إلى طائرتك وستجد الموظف صاحب الوجه الأصفر وشعر الرأس الخفيف يوبخك بشكل مهين.
ما اطول هذه المقدمة للموضوع الذي اريد أتناوله هنا وهو بحاجة إلى أن نخلق مناخ المزاح والدعابة لنلقي كل ماسنقوله بعد ذلك في إطاره حتى لا يتسبب في غضب أحد. الموضوع هو وجود من يعارض خروج المرأة على شاشة التلفزيون. أن شخصيا أعتبرهم غير جادين فيما يقولون لأني لا يمكن أن أصدق رجلاَ في هذا العالم يفضل مذيع رجل على المذيعة حليمة بولند. عندما تقول امراة من القصيم او حائل قادرة على سلخ الخروف وتقطيعة وطبخه أنها تفضل هذا المذيع الذي تكتظ بمثله الشاشات العربية على امراءة سخيفة وخرقاء مثل حليمة بولند التي ظهرت مؤخرا في برنامج على قناة LBC اللبنانية يكتشف مواهب النجوم المنزلية و قدمت صورة مناسبة عن المرأة عديمة النفع و(الرفلا) وهي لا تستطيع أن تفك حبال بوت طفل صغير أو لا تعرف أن تشغل الفرن فإن إعتراضها هذا يبدو مناسبا. في الواقع شعرت بمقت لهذه الفتاة الدلوعة الرخوة ولكني غير قادر اطلاقا على ان أفضل عليها وجه هذا المذيع. ولكن ماذا عن المذيعة سهير القيسي مقدمة الأخبار في القناة العربية؟. سهير تفوق حليمة جمالا وألقا ولديها عقل بارع وشخصية عميقة. هنا من تفضل؟. هو أم هي؟ لحظه. سأضع السؤال بصيغته النهائية وكاختبار مكاشفي لحقيقية المواقف. السؤال: عندما يصاب جميع المذيعين والمذيعات بالعالم العربي بوباء يجعلهم يتقيئون باستمرار وتتحول جلودهم إلى لون رمادي مرقط بنقط سوداء وبعد ذلك يموتون جميعا في الساعة الثامنة ونصف مساءً ولا يبقى على قيد الحياة إلا سهير وذلك المذيع.. من تفضل أن يذيع نشرة أخبار التاسعة مساءً ؟. إذا قلت اسم الرجل فسيكون امر إنتمائك لسلالة من التماسيح التي لا تقدر وزنا للجمال والرقة شيئاً يمكن التفكير فيه. ومع ذلك أنا أثق بعقل وذوق مفكر ومؤرخ عظيم مثل ويل ديورانت أكثر من عقلك وذوقك. يقول ديورانت في كتابه قصة الحضارة: (كان المجتمع اليوناني احادي الجنس ويفتقر إلى الحيوية والظرف والمجاملة والاستثارة وهي الصفات التي اكتسبتها من روح النساء وسحرهن ايطاليا عصر النهضة وفرنسا عصر التنوير). هذا كلام رجال حقيقيين وليس مجموعة من المزايدين السخفاء. ولكن مهلاً . يجب أن لا يُغضب هذا الحديث احداً. كل ماسبق وقلناه اردنا وضعه في ذلك المناخ الصغير من المزاح الذي صنعناه في البداية.
إذا لم تأتني رسائل غاضبة من الآن إلى أسبوع فيمكن أن أقول بصراحة أني لم أكن أمزح تماما في كل ماقلته. هناك شيء قفز خارج مناخ المزاح ذلك.
mamdoh@alriyadh.com