في ذلك اليوم لم أكن أتوقع أن يحزن قلبي.. أو أن يجد وقتاً لذلك مع أنه لديه العذر لذلك.. ولكنني اعتقدت أن مناسبة سعيدة كالتي في ذلك اليوم لن تجعلني أتذكّر سفرها.. أو أن أحزن لمجرد ذكْرها.. اعتقدت أنني نسيتها.. أو هكذا كنت أُقنع نفسي في تلك الأيام..
ركبت سيارتي.. وتوجهت إلى موقع الاحتفال..
جميع ما في ذلك المكان يوحي بالفرح والسعادة.. ورودٌ زاهية الألوان في أرجاء المكان.. كعكةٌ بطوابق عدَّة.. أصناف الحلوى والمشروبات.. ملابس أنيقة.. أحاديث ضاحكة.. عشرات المهنئين يتبادلون التحايا والتبريكات..
كل الحاضرين فرحين أو هذا ما بدا لي.. ومع أنني محاط بكل تلك البهجة.. أحسست بشيء غريب.. وكأن هناك قطرات من الماء تغطي وجهي.. وإذا بتلك القطرات تسقط على يدي عندما تحسست وجهي..
يا إلهي ما هذا؟!..
إنه إحساسي بفقدها.. لقد أدمعت عينيَّ رغماً عني.. كنت أُهم نفسي بنسيانها.. إلى أن صدّقت ذلك..
ولكن كل ذلك كان وهماً..
وجدتني في الحقبة أنعزل عن كل تلك البهجة وذلك الفرح..
وجدتني وحيداً.. باكياً.. كل ملامح وجهي تدل على فقدي عزيزاً غالياً..
لم أتوقع يوماً أن تكون قد وصلت إلى هذه الدرجة الرفيعة.. والمنزلة العالية في نفسي.. تقوقعت في مكاني.. ورجوت أن أكون غير مرئي.. حتى لا أُعكِّر صفو من حولي.. وفي نفس الوقت لم أستطع مغادرة المكان.. عَجبتُ لما وصلَ حبي لها إليه من الدرجات..
أهكذا سيصبح حالي بعدها؟.. أهكذا سأكون؟..
هل سأسمح لبُعدها بهذه الطريقة أن يفعل بي ما فعل مرَّة أخرى؟..
هل سأكون سجيناً لطيفها؟..
بقيت على ذلك الحال وازداد أمري سوءاً يوماً بعد يوم طوال فترة غيابها.. أنتظر منها سؤالاً عني.. أو حتى خبراً عنها..
بخلت وضَنَّت عليَّ حتى بأخبارها.. وكأنه لا يكفيها أنها رحلت دون توديعي.. ولو من بعيد..
غادَرَت وأخذت معها قلب محبِّها .. دون أن أعرف موعد سفرها حتى..
بكيت كما لم أبك من قبل.. كدتُ أُجَنّ من عملها ذاك.. إلاّ أنّ رحمة ربي كانت أوسع لي..
بعد استيعابي لسفرها.. كانت قد مرَّت أسابيع عدّة.. كنت أسمع فيها صوتها تناديني:
تناجيني..
وتارة تهتف باسمي بصوت عال..
أراها في وجه كلِّ من مررت بهم..
صوتها يرِّن في أُذنيَّ عندما يناديني أحدٌ ما من حولي.. تخيَّل..
حتى في حُلمي.. بَخلت بصورتها عليَّ..
وبعد أن مرّت الأسابيع وأصبحت شهوراً.. كدت أعتاد فيها على غيابها..
عادت..
عادت لتُلْهبَ قلبي ووجداني..
عادت لتحرق صدري من جديد.. بنار جواها.. وبُعدها..
عادت بعد أن كاد يموت الأمل بعودتها إليَّ من جديد..
عادت لتشفي أملاً فُقدَ الرجاء بشفائه..
انتظرتها لتعودني.. لتراني.. ولترى ما فعل بي بُعدها..
لترى ما فعلت بفراقها..
لترى حبي لها ما فعل بي.. لترى حالي وما صرت إليه.. لتداويني..
انتظرتها.. وانتظرتها.. وانتظرت.. وانتظرت..
وطال الانتظار..
كل يوم أقول ستأتي اليوم..
مرّ يومٌ واثنان..
أسبوع.. واثنان..
وطال الانتظار.. حتى أصبح أملاً..
وطال الأمل.. حتى أصبح رجاءً..
تَزَوَّجت..
تركتني.. لتتزوّج رجلاً آخر..
ليتني لم أعرف بذلك.. ليتني بقيت على رجائي وانتظاري..
ليتني بقيت جسداً خاوياً..
ولم أُمس.. حُطاماً..