قال حسان بن ثابت خرجت إلى النعمان بن المنذر فلقيت رجلاً صائغاً من أهل فدك فلما رأني قال: كن يثريباً.فقلت: الأمر كذلك.
قال: كن خزرجياً.
قلت: أنا خزرجي.
قال: كن نجارياً.
قال: أنا نجاري.
قال: كن حسان بن ثابت.
قلت: أنا هو.
فقال : أين تريد
قلت: إلى هذا الملك؟
قال: تريد أن أسددك إلى أين تذهب ومن تريد؟
قلت: نعم.
قال: إن لي به علماً وخبراً.
قلت: فأعلمني ذلك.
قال: فإنك إذا جئته متروك شهراً قبل أن يرسل إليك ثم عسى أن يسأل عنك رأس الشهر ثم إنك متروك آخر بعد المسألة ثم عسى أن يؤذن لك فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه خيراً فأقم ما أقمت فإن رأيت أبا أمامة (النابغة الذبياني) فأظعن فلا شيء لك عنده. قال: فقدمت ففعل بي ما قال الرجل ثم أذن لي وأصبت منه مالاً كثيراً ونادمته وأكلت معه فبينا أنا على ذلك وأنا معه في قبة له إذا رجل يرتجز حولها:
أصم أم يسمع رب القبه
يا أوهب الناس لعنس صلبه
ضرابة بالمشفر الأذبه
ذات هبات في يديها جلبه
في لاحب كأنه الأطبه
فقال: أليس بأبي أمامة؟ قالوا: بلى. قال: فأذنوا له ودخل فحياه وشرب معه ثم وردت النعم السود ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود يعرف مكانه ولا يفتحل أحد بعيراً أسود غير النعمان فأستأذنه في أن ينشده كلمته على الباء فأذن له أن ينشده قصيدته التي يقول فيها:
فإنك شمس والملوك كواكب
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ووردت عليه مائة من الإبل السود الكلبية فيها رعاؤها وبيتها وكلبها فقال: شأنك بها يا با أمامة فهي لك بما فيها.
قال حسان: فما أصابني حسد في موضع ما أصابني يومئذ وما أدري أيما كنت أحسد له عليه ألما أسمع من فضل شعره أم ما أرى من جزيل عطائه فجمعت جراميزي وركبت إلى بلادي.