اجتاز قيس بن ذريح بالمجنون وهو جالس وحده في نادي قومه وكان كل واحد منهما مشتاقا إلى لقاء الآخر وكان المجنون قبل توحشه لا يجلس إلا منفردا ولا يحث أحدا ولا يرد على متكلم جوابا ولا على مسلم سلاما فسلم عليه قيس بن ذريح فلم يرد عليه السلام.
فقال له يا أخي أنا قيس بن ذريح فوثب إليه فعانقه وقال مرحبا بك يا أخي أنا والله مذهوب بي مشترك اللب فلا تلمني فتحدثا ساعة وتشاكيا وبكيا ثم قال له المجنون يا أخي إن حي ليلى منا قريب فهل لك أن تمضي إليها فتبلغها عني السلام.
فقال له أفعل فمضى قيس بن ذريح حتى أتى ليلى فسلم وانتسب.
فقالت له حياك الله ألك حاجة قال نعم ابن عمك أرسلني إليك بالسلام فأطرقت ثم قالت ما كنت أهلا للتحية لو علمت أنك رسوله قل له عني أرأيت قولك:
أبت ليلة بالغيل يا أم مالك
لكم غير حب صادق ليس يكذب
ألا إنما أبقيت يا أم مالك
صدى أينما تذهب به الريح يذهب
أخبرني عن ليلة الغيل أي ليلة ة هي وهل خلوت معك في الغيل أو غيره ليلا أو نهارا.
فقال لها قيس يا ابنة عم إن الناس تأولوا كلامه على غير ما أراد فلا تكوني مثلهم إنما أخبر أنه رآك ليلة الغيل فذهبت بقلبه لا أنه عناك بسوء قال فأطرقت طويلا ودموعها تجري وهي تكفكفها ثم انتحبت حتى قلت تقطعت حيازيمها ثم قالت اقرأ على ابن عمي السلام وقل له بنفسي أنت والله إن وجدي بك لفوق ما تجد ولكن لا حيلة لي فيك فانصرف قيس إليه ليخبره فلم يجده.