عن المبرد قال: قال لي المازني: بلغني انك تنصرف من مجلسنا الى مواضع المجانين والمعالجين فما معنى ذلك؟ فقلت: اعزك الله تعالى؛ ان لهم طرائف من الكلام! قال: فأخبرني بأعجب ما رأيت من المجانين! فقلت: صرت يوماً اليهم فمررت على شيخ منهم، وهو جالس على حصير قصب، فجاوزته الى غيره، فقال: سبحان الله! اين السلام؟ من المجنون؛ انا ام انت؟ فاستحييت منه، وقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال: لو كنت ابتدأت لاوجبت علينا حسن الرد، على انا نصرف سوء ادبك الى احسن جهاته من العذر، لانه كان يقال: ان للداخل على القوم دهشةً، اجلس - اعزك الله - عندنا، وأومأ الى موضع من الحصير، فجلست الى ناحية منه، فقال لي - وقد رأى معي محبرتي: ارى معك آلة رجلين ارجو الا تكون احدهما: اصحاب الحديث الاغثاث، او الادباء اصحاب النحو والشعر؟ قلت: الادباء! قال: اتعرف ابا عثمان المازني؟ قلت: نعم! قال: اتعرف الذي يقول فيه القائل:
وفتى من مازن أستاذ اهل البصرة
امه معرفة وابوه نكرة
فقلت: لا اعرفه، فقال: اتعرف غلاماً له قد نبغ في هذا العصر، له ذهن وحفظ وقد برز في النحو، يعرف بالمبرد؟ فقلت: انا والله الخبير به! قال: فهل انشدك شيئاً من شعره؟ قلت: لا احسبه يحسن قول الشعر! فقال: ياسبحان الله! اليس هو القائل:
حبذا ماء العناقيد بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي ودمي اي نبات
قلت: قد سمعته ينشد هذا في مجلس انس؛ فقال: ياسبحان الله! الا يستحي ان ينشد مثل هذا الشعر حول الكعبة؟ ثم قال: الم تسمع ما يقولون في نسبه؟ قلت: يقولون: انه من الازد ازد شنوءة، ثم من ثمالة! قال: اتعرف القائل في ذلك:
سألنا عن ثمالة كل حي
فقال القائلون: وما ثماله؟
فقلت: محمد بن يزيد منهم
فقالوا: زدتنا بهم جهاله!
فقال لي المبرد: خل قومي
فقومي معشر فيهم نذاله!
فقلت: اعرفه! هذا عبد الصمد بن المعذل يقولها فيه! فقال: كذب فيما ادعاه! هذا كلام رجل لا نسب له، يريد ان يثبت له بهذا الشعر نسباً، فقلت له: انت اعلم! فقال: ياهذا، قد غلبت خفة روحك على قلبي، وقد أخرت ما كان يجب تقديمه، ما الكنية؟ اصلحك الله! فقلت: ابو العباس، قال: فما الاسم؟ قلت: محمد، قال: فالأب؟ قلت: يزيد. قال: قبحك الله! احوجتين الى الاعتذار بما قدمت ذكره، ثم وثب وبسط يده فصافحني؛ فرأيت القيد في رجله، فأمنت غائلته، فقال: يا ابا العباس، صن نفسك من الدخول في هذه المواضع؛ فليس يتهيأ في كل وقت ان تصادف مثلي على مثل حالي، ثم قال: انت المبرد! انت المبرد! وجعل يصفق، وانقلبت عيناه واحمرت وتغيرت حالته، فبادرت مسرعاً خوف ان تبدر الى منه بادرة؛ وقبلت منه والله نصحه، ولم اعاود بعدها الى تلك المواضع ابداً!