بحث



الجمعة 27 ربيع الأول 1426هـ - 6 مايو 2005م - العدد 13465

عودة الى تراث

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


اعجب المجانين

    عن المبرد قال: قال لي المازني: بلغني انك تنصرف من مجلسنا الى مواضع المجانين والمعالجين فما معنى ذلك؟ فقلت: اعزك الله تعالى؛ ان لهم طرائف من الكلام! قال: فأخبرني بأعجب ما رأيت من المجانين! فقلت: صرت يوماً اليهم فمررت على شيخ منهم، وهو جالس على حصير قصب، فجاوزته الى غيره، فقال: سبحان الله! اين السلام؟ من المجنون؛ انا ام انت؟ فاستحييت منه، وقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال: لو كنت ابتدأت لاوجبت علينا حسن الرد، على انا نصرف سوء ادبك الى احسن جهاته من العذر، لانه كان يقال: ان للداخل على القوم دهشةً، اجلس - اعزك الله - عندنا، وأومأ الى موضع من الحصير، فجلست الى ناحية منه، فقال لي - وقد رأى معي محبرتي: ارى معك آلة رجلين ارجو الا تكون احدهما: اصحاب الحديث الاغثاث، او الادباء اصحاب النحو والشعر؟ قلت: الادباء! قال: اتعرف ابا عثمان المازني؟ قلت: نعم! قال: اتعرف الذي يقول فيه القائل:

وفتى من مازن أستاذ اهل البصرة

امه معرفة وابوه نكرة

فقلت: لا اعرفه، فقال: اتعرف غلاماً له قد نبغ في هذا العصر، له ذهن وحفظ وقد برز في النحو، يعرف بالمبرد؟ فقلت: انا والله الخبير به! قال: فهل انشدك شيئاً من شعره؟ قلت: لا احسبه يحسن قول الشعر! فقال: ياسبحان الله! اليس هو القائل:

حبذا ماء العناقيد بريق الغانيات

بهما ينبت لحمي ودمي اي نبات

قلت: قد سمعته ينشد هذا في مجلس انس؛ فقال: ياسبحان الله! الا يستحي ان ينشد مثل هذا الشعر حول الكعبة؟ ثم قال: الم تسمع ما يقولون في نسبه؟ قلت: يقولون: انه من الازد ازد شنوءة، ثم من ثمالة! قال: اتعرف القائل في ذلك:

سألنا عن ثمالة كل حي

فقال القائلون: وما ثماله؟

فقلت: محمد بن يزيد منهم

فقالوا: زدتنا بهم جهاله!

فقال لي المبرد: خل قومي

فقومي معشر فيهم نذاله!

فقلت: اعرفه! هذا عبد الصمد بن المعذل يقولها فيه! فقال: كذب فيما ادعاه! هذا كلام رجل لا نسب له، يريد ان يثبت له بهذا الشعر نسباً، فقلت له: انت اعلم! فقال: ياهذا، قد غلبت خفة روحك على قلبي، وقد أخرت ما كان يجب تقديمه، ما الكنية؟ اصلحك الله! فقلت: ابو العباس، قال: فما الاسم؟ قلت: محمد، قال: فالأب؟ قلت: يزيد. قال: قبحك الله! احوجتين الى الاعتذار بما قدمت ذكره، ثم وثب وبسط يده فصافحني؛ فرأيت القيد في رجله، فأمنت غائلته، فقال: يا ابا العباس، صن نفسك من الدخول في هذه المواضع؛ فليس يتهيأ في كل وقت ان تصادف مثلي على مثل حالي، ثم قال: انت المبرد! انت المبرد! وجعل يصفق، وانقلبت عيناه واحمرت وتغيرت حالته، فبادرت مسرعاً خوف ان تبدر الى منه بادرة؛ وقبلت منه والله نصحه، ولم اعاود بعدها الى تلك المواضع ابداً!


عودة الى تراث

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية