بحث



الجمعة 27 ربيع الأول 1426هـ - 6 مايو 2005م - العدد 13465

عودة الى قضايا اسلامية

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الدكتور النجيمي لـ «الرياض»:
تحويل الأحكام الفقهية إلى مواد قانونية بما يناسب العصر وإغلاق باب الاجتهاد بحجة سد الذرائع غير جائز شرعاً

د. محمد النجيمي يتحدث للزميل حمد الفحيلة
د. محمد النجيمي يتحدث للزميل حمد الفحيلة

أجرى الحوار - حمد الفحيلة
    واقع الأمة الإسلامي في تغير مستمر في ظل تطورات متلاحقة وسريعة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً مما يجعل الفقيه أو القاضي يواجه قضايا فقهية مستجدة متكاثرة، وآنية تهم المسلمين في هذا الوقت بالذات، فلو نظرنا إلى الكتب الفقهيه السابقة نجد أن علماءنا وفقهاءنا السابقين اجتهدوا وأفادوا في عصرهم وعصر من بعدهم إلى يومنا هذا فجزاهم الله خير الجزاء، وهنا يرد إلينا ثمة عدة تساؤلات، هل التجديد ضرورة حياتية في المجالات الأخرى وترك ذلك في المجال الفقهي؟

وهل سوغ لمن لم تكن له دراية بعلوم الشريعة أن يجتهد في الشريعة وكذلك لمن لديه علوم بالشريعة وليس لديه إلمام بالعلوم الأخرى؟

ثم هل يمكن تيسير الفقه للناس فهماً وعرضاً لغة ومحتوى واصطلاحاً، حيث انه ضرورة في عصرنا الذي تطورت فيه أساليب الكتابة وتشعبت فيه القضايا الفقهية الآنية؟

وهل يمكن تقنين الشريعة بمعنى تحويل الأحكام الشريعة إلى مواد قانونية؟ دعونا نقف على الآراء التي شاركنا فيها عدد من المشايخ.

أجاز الدكتور محمد بن يحيى النجيمي أستاذ الفقه المقارن المتخصص والخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، تحويل الأحكام الفقهية الشرعية إلى مواد قانونية وبيَّن أنه في عام 1347ه ارتأى العلماء أن يلزم القضاة في المملكة ب(منتهى الإرادات) و(كشاف القناع) وهذان مناسبان للعصر الذي استخدما فيه وتم الرجوع إليهما، أما الآن فنحن في عصر متطور، وقال د.النجيمي: إن إغلاق باب الاجتهاد بما يسمى سد الذرائع ليس جائزاً شرعاً.

جاء ذلك في الحوار التالي:

٭ (الرياض): هل هناك إمكانية لتحويل أحكام الشريعة إلى مواد قانونية، وكيف يتم ذلك؟

- د. محمد النجيمي: إن تقنين الأحكام الشرعية كما نسميه نحن بمعنى جعل هذه الأحكام في شكل مواد قانونية مرتبة كما رتبت مجلة الأحكام العدلية التركية والتي عمل بها أواخر الدولة العثمانية. هذا الأمر مختلف فيه بين الفقهاء المعاصرين وأساس الاختلاف فيه هو اختلاف فقهي قديم بين الفقهاء، فبعضهم ذهب وهم جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز للحاكم أن يلزم القاضي بأن يحكم بمذهب معين وهو مذهب الحنفية وبعض المالكية وبعض الشافعية وقليل من الحنابلة. وذهب جماعة أخرى من الفقهاء إلى أن ذلك لا يجوز لأن فيه حجراً على أفكار القاضي وعلى اجتهاداته. هذه القضية القديمة برمتها انتقلت إلى الفقهاء المعاصرين، فنجد أن جمهور الفقهاء المعاصرين يرون أنه يجوز تقنين الأحكام وترتيبها قياساً على قول من قال إنه يجوز للحاكم أن يلزم بمذهب معين وقالوا إن في ذلك طاعة لولي الأمر بما لا يتعارض مع الكتاب والسنّة وفيه طاعة بالمعروف. لأن الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. وطاعة ولي الأمر هنا جائزة لأنهم أمروا بحكم مأخوذ من كتاب الله ومن سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى جمهور الفقهاء المعاصرين. وذهب بعض الفقهاء المعاصرين وهم الحنابلة إلى أنه لا يجوز التقنين لأن فيه الزاماً للقاضي بأن يحكم بشيء ليس مقتنعاً به وفيه حجر على اجتهاد القاضي والله تعالى يقول: {وما تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، والرد معناه إلى الكتاب وإلى السنّة وليس إلى أقوال واجتهادات الفقهاء. هذا القول هو قول أخذ به أكثر علماء المملكة العربية السعودية لأنهم حنابلة في الأصل. والحنابلة لا يرون الزام القاضي بمذهب معين. والقول الراجح في هذه المسألة طالما أنها مسألة مختلف فيها بين الفقهاء المتقدمين وبين الفقهاء المعاصرين فإني أرى الجواز وإن الواقع ليشهد بذلك، أولاً أنه في بداية حكم هذه الدولة السعودية وتحديداً في عام 1347ه ارتأى العلماء أن يلزم القضاة في المملكة بأن يحكموا بالمذهب الحنبلي من خلال شرح (منتهى الإرادات) للبهوتي و(كشاف القناع) للبهوتي. وقالوا لسهولة الرجوع إلى كتب المذهب الحنبلي، ولأنها تعتمد الدليل، فكأن هذا إشارة إلى أن علماء المملكة في تلك الفترة ألزموا الناس بمذهب معين وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل وكأن علماء المملكة مالوا إلى قول الجمهور والفقهاء في تلك الفترة وأنه يجوز أن يلزم بمذهب معين، ثم إن تقنين الأحكام في هذا العصر فيه مصلحة شرعية كبيرة جداً طالما أن المسألة اجتهادية، وذلك لأنه إذا أصبحت المواد الفقهية معمولة على شكل مواد ويقوم بفعل ذلك الفقهاء والعلماء والقضاة وأهل العلم الشرعي، فإن هذا يسهل على القضاة الحكم خاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه القضايا وتشعبت.

٭ (الرياض): أثناء إجابتكم على السؤال السابق، ذكرتم أن الحنابلة لا يلزمون القاضي بمذهب معين.. بعض الدول تحصر نفسها في مذهب واحد في الأحكام الأخرى مما يعني عدم فتح باب الاجتهاد في هذا العصر المتطور السريع جداً: فهل يمكن أن نأخذ بالمذاهب المتعددة، الأربعة؟

- د.محمد النجيمي: لهذا السبب أنا أقول التقنين أفضل من الإلزام بمذهب واحد معين. بمعنى أننا الآن لو الزم الناس بمذهب معين من المذاهب، هذا مع أن الفقهاء المتقدمين أجازوه، لكن هذا فيه حصر للناس في مذهب بعينه. نحن نقول بالتقنين الذي يقول: نأخذ القول الراجح الذي دليله قوي من كل مذهب من المذاهب، وهو ما عملت به جميع الدول العربية التي قننت الأحوال الشخصية التي لا تزال تحكم فيها بالشريعة الإسلامية وحتى الدول العربية التي تطبق الشريعة الإسلامية الآن كالسودان والإمارات العربية المتحدة يأخذون بالقول الراجح من المذاهب. وعند عدم وجود شيء في القانون ينص على مسألة فإنه يحتكم فيه إلى المذهب السائد في البلد. هذا بالعكس أفضل من الزام الناس بمذهب معين، وهذا اختيار للأقوال الراجحة من جميع المذاهب وهو الحال في القضاء في المملكة. والقضاء ليس مقنناً في غالبه في المملكة، لكن واقع الحال أن القضاة في المملكة ليسوا ملتزمين بمذهب معين وأنهم يختارون القول الراجح المدعوم بالأدلة ويحكمون به، لكننا نقول إنه لكثرة القضايا وقلة القضاة لا بأس بالتقنين بضوابطه الشرعية المهمة. ومن أهمها أنه لا يقوم بعملية التقنين إلا المتخصصون من علماء الشريعة والفقهاء والقضاة.

٭ (الرياض): يقال إن فتح المجال بالنسبة للقاضي في قضية معينة يجعله في حيرة من أمره، وبالتالي قد يقع الخطأ في حكم معين؟

- د.محمد النجيمي: أنا أقول إن هذا صحيح إلى حد بعيد لأن القول بأن القاضي لا يلزم بشيء وإنما هو يجتهد حسب ما يراه سيجد من الأقوال ومن الآراء الكثيرة في المذاهب الفقهية ما يؤدي بالقاضي أحياناً إلى أن يحتار في أي قول يأخذ به وخصوصاً أن الكثير من القضاة من المبتدئين. وهذا الأمر نعم قد يقال إن هذا قد يخفف عندنا في التمييز والاستئناف والآن هناك محكمة عليا، ومع كل هذه الحسنات الموجودة في القضاء إلا أن بقاء الأمر دون تقنين أعتقد أنه أمر متعب للقضاة وأن التقنين فيه خير خاصة حينما تشترط أن يقوم به العلماء والقضاة.

٭ (الرياض): هل يمكن ذكر بعض الأحكام التي يمكن أن تحول إلى مواد قانونية؟

- د. محمد النجيمي: أولاً في واقع الحال فإن التقنين معمول به فنجد أن جرائم الرشوة والتزوير يحكم فيها بناء على نظام محدد موضوع، لكن التقنين مثلاً في المسائل التي لم تقنن مثل الأحوال الشخصية والجنايات والحدود. وأنا أضرب مثلاً فيما لو حصل تقنين أراح ذلك القضاة. فالكثير من القضاة يرون أن الإنسان إذا طلق زوجته ثلاثاً بلفظ واحد فهي تعتبر بائناً، أي تحتسب الثلاث بينما المفتى به عندنا في المملكة أن الثلاث دفعة واحدة تعتبر طلقة واحدة فقط ويحصل أن بعض القضاة يحكم على أنها مرة وأحياناً أنها ثلاث فيحصل في هذا اختلاف. ولو كان قد قنن الأمر لأخذنا بالقول الراجح والمدعوم بالأدلة وهو أن الذي يطلق زوجته دفعة واحدة بالقول أنت طالق بالثلاث تعتبر طلقة واحدة لحسم الخلاف في هذه المسألة على قول واحد. وكثرة الآراء في المسائل الفقهية التي لم تقنن بعد في الجنايات والمعاملات والأحوال الشخصية تجعل القاضي احياناً يحكم بحكم يختلف عن القاضي الآخر فيحصل تفاوت في الأحكام.

٭ (الرياض): ما سبق يعني أن القضاة يحتاجون إلى تأهيل وإلى إعادة تدريب على المواد القانونية الجديدة؟

- د.محمد النجيمي: من وجهة نظري ان القضاة لن يجدوا صعوبة في هذا، لأنهم مؤهلون في الأصل من الناحية الشرعية. فغاية ما في الأمر أنهم ينزلون هذه الأحكام المقننة المأخوذة من الشرع الإسلامي على الوقائع الموجودة، ولن نجد صعوبة في تأهيلهم لأنهم في الأصل مؤهلون ومتخرجون من كليات الشريعة الإسلامية والأكثرية الكافية منهم حاصلون على شهادات الماجستير، وعدد لا يستهان به منهم حاصلون على شهادات الدكتوراه. ولن نجد صعوبة لو قننت الأحكام بالعكس فإن الواقع أن الذين هم منتدبون في دولة الإمارات العربية ويعملون هناك يحكمون في قضايا الأحوال الشخصية والجنايات ويطبقون فيها حكم الشرع الإسلامي من خلال مواد قانونية مقننة مستمدة من الكتاب والسنّة وأقوال الفقهاء ولم يجدوا صعوبة، بل نجحوا نجاحاً باهراً والحكومة في دولة الإمارات المتحدة متمسكة بهم لحسن قضائهم لأنهم مؤهلون. وأحبذ التطوير وأقصد هنا التقنين الشرعي بما يستنبطه القضاة والعلماء والفقهاء وطلبة العلم وأساتذة الشريعة. وأن المصلحة الشرعية تقتضي هذا من وجهة نظري الشخصية. والحمد لله أنه لا أحد سيطلب في هذا البلد حكماً من خارج أحكام الشريعة الإسلامية لأننا أصبحنا هنا في المملكة مجمعين إجماعاً كاملاً على الأحكام عندنا لا بد أن تكون مأخوذة من الشريعة الإسلامية وهذا أصبح أمراً مسلماً به. بقي الاختلاف في هل نقنن أم لا؟ أنا أرى أن من المصلحة أن نقنن ونجعل الأحكام الفقهية على شكل مواد قانونية تخضع للجنة من العلماء تطورها في كل وقت حسب المصلحة.

٭ (الرياض): البعض يقول إن هناك ازدواجية بين مجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل وفي الآونة الأخيرة حدث تطوير جديد بإنشاء المحكمة العليا وإنشاء عدد من المحاكم؟

- د. محمد النجيمي: أنا لا أرى أي ازدواجية سواء قبل أو بعد لماذا؟ لأن وزارة العدل في جميع دول العالم وفي جميع الأنظمة القضائية في العالم وظيفتها تتعلق بالشؤون المالية والإدارية فقط، أما مجلس القضاء الأعلى في جميع الدول فإن وظيفته تنحصر في تعيين وتأديب القضاة وأيضاً نقلهم وكل ما يتعلق بأمور القضاة حتى يكون القاضي مستقلاً عن السلطة السياسية. بمعنى أن القاضي يعينه قضاة ويؤدبه وينقله قضاة وهذا كله ينبغي أن يكون موجوداً في مجلس القضاء الأعلى، وهذا هو الواقع الآن. غاية ما في الأمر أن اللجنة الدائمة في مجلس القضاء الأعلى جُعلت محكمة عليا وفي الأصل مجلس القضاء الأعلى تكوَّن من الهيئة الدائمة والهيئة العامة، الهيئة الدائمة جعلت الآن المحكمة العليا فلم يتغير شيء وكل ما في الأمر هو أن مجلس القضاء الأعلى أصبح فقط خاصاً بأمور القضاة من تعيينهم وندبهم وترقيتهم وما إلى ذلك. والذي أعرفه أنا أن وزارة العدل لا تتدخل في شأن القضاة في جميع دول العالم سواء في تعيينهم أو في ترقيتهم أو في ندبهم أو في تأديبهم أو فصلهم أو في عزلهم بأي وسيلة وأن هذه جهة قضائية تسمى بما تسمى، لكن أغلب الدول تسميها المجلس الأعلى للقضاء كما هو الحال في فرنسا وفي مصر وفي كثير من الدول.

٭ (الرياض): البعض يقول (يا حنبلي) وهو يعني بذلك الانغلاق وعدم التوسع وعدم الأخذ بالآراء الأخرى، ماذا تقولون في ذلك؟

- د. محمد النجيمي: هذه العبارة غير صحيحة لأن الحنابلة هم من أكثر الناس مرونة في أحكام المعاملات المالية والأحوال الشخصية، فقط قد يكون لدى الحنابلة نوع من الأخذ أو من التشدد في مجال العبادات. أما ما يتعلق بالشروط في البيوع والشروط في النكاح والمعاملات المالية بشكل عام فيعتبر المذهب الحنبلي من أكثر المذاهب تطوراً، بل إن نظريات المذهب الحنبلي هي المعمول بها الآن في كثير من الدول العربية فيما يتعلّق بنظرية الشروط سواء كانت في المعاملات أو في الأحوال الشخصية. وأود أن أضرب مثالاً حول مرونة المذهب الحنبلي.. عند الحنابلة إذا اشترطت المرأة ألا تخرج من بلدها أو أن تبقى في بلدها فإنه يعتبر شرطاً صحيحاً بمعنى أنه إذا تزوجها إنسان واشترطت ألا تخرج من بلدها أو من منطقتها ووافق الزوج، فهذه من الشروط الجائزة والصحيحة عند الحنابلة ولا يرى ذلك أصحاب المذاهب الأخرى الثلاثة كمثال. بل إن من الأشياء التي لدى المذهب الحنبلي أنه لو اشترطت المرأة ألا يتزوج عليها فإنهم يقولون لها هذا الشرط، فإذا تزوج عليها لها أن تفسخ العقد وليست بآثمة إذا طلبت الطلاق، وإذا لم ينفذ الزوج هذا الشرط فيعتبر فسخاً ويفسخه القاضي. فهذه أمثلة على مرونة المذهب الحنبلي في مجال الشروط.

كل المذاهب ليس فيها تشدد، لكن لعل المذهب الشافعي والحنبلي في مجال العبادات اكثر تشدداً من غيرهما. ومن هنا جاء قول فلان حنبلي فقط، وهذه أراها في مجال العبادات حسنة لأن العبادات مبنية على الاحتياط وبراءة الذمة.

٭ (الرياض): يدخل البعض في مجال التحليل والتفسير وربما في الفتوى وهو غير مخصص في هذا المجال، وينادي بكثرة بتعدد المذاهب والانفتاح والاجتهاد؟

- د. محمد النجيمي: نحن والحمد لله في هذا البلد عندنا هيئة كبيرة نسميها هيئة كبار العلماء هي المسؤولة عن ذلك. والاجتهاد مكفول لطلبة العلم في أبحاثهم وفي كتاباتهم، ولكن حينما نأتي إلى الفتوى فيجب أن تبقى محصورة في هيئة كبار العلماء ومن يأذنون له بالفتوى، لأن كثرة وتضارب الفتاوى تمثل مشكلة للشباب وللناس ينبغي أن نعيد وأن نؤكد على ما كان معمولاً به في المملكة من وجهة نظري بأن الفتوى ينبغي أن تكون في هيئة كبار العلماء ومن يأذنون له بالفتيا. والأخذ من المذاهب الأخرى قول صحيح، لكن من الذي يجتهد ويأخذ من المذاهب الأخرى؟ هو من توفرت فيه الشروط الشرعية لأن يجتهد ويفتي ويقول. وللأسف الشديد في هذا الوقت صار يفتي كل من هب ودب. أما كون أن الإنسان يبدي رأيه في قضية من القضايا ولا تتضمن فتوى فمن وجهة نظري أنه حق مكفول كأن يكتب في موضوع كما يكتب الطلبة في كليات الشريعة والمعهد الأعلى للقضاء أو في المجلات، هذه كتابات. أما الفتاوى بأن هذا حلال وهذا حرام فلا بد أن هذا يكون من اختصاص هيئة كبار العلماء ومن يأذنون لهم بالفتوى، اللهم إلا الأمور التي يعرفها طلبة العلم بشكل عام مثل الأمور اليومية من أحكام الصلاة والصيام، أي الأشياء التي لا تعتبر نوازل فقهية فهذه كل الناس يعرفونها. أما لو حدثت قضايا جديدة في الزكاة أو في العبادة تحتاج إلى فتوى واجتهاد ينبغي أن تحال إلى أهل العلم من أهل الفتوى.

٭ (الرياض): علماء العصور السابقة اجتهدوا وأفتوا وألفوا كتباً فقهية كزاد المستقنع والروض المربع وفتاوى ابن تيمية.. بعض القضاة يرجعون إلى هذه الكتب والبعض الآخر يطالب بتحديث الفقه لما يناسب هذا العصر المتطور، فهل تؤيدون هذه المطالبة؟

- د. محمد النجيمي: إن القول بتحديث الفقه كلمة تشتمل على حق وعلى باطل، فإذا أرادوا بالقول بتحديث الفقه أين نبحث القضايا الحادثة والجديدة التي ليس لها حكم سابق أو لها حكم سابق والأحكام تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، فهذا صحيح إذا قام به العلماء العارفون المجتهدون المفتون الذين توفرت فيهم القدرة على الاجتهاد والقول بالحكم الشرعي. أما إذا كان القول بالتحديث يقصد به تسطيح أحكام الشريعة الإسلامية وتفكيكها بناء على الهوى والرأي والتشهي فنحن ضد هذا، وأما التحديث فأنا أضرب مثالاً بسيطاً هيئة كبار العلماء لديهم أكثر من 30 مجلداً في الفتاوى حول المسائل المعاصرة، والمجمع الفقهي الدولي لديه أكثر من ثلاثين مجلداً وأيضاً المجمع الفقهي في مكة المكرمة لديه كذلك عشرات المجلدات وفي مجمع الفقه الإسلامي في الأزهر وفي الكويت وغيرها. إذاً العلماء تعرضوا للمسائل الحديثة وحتى بعض المسائل الفقهية التي قد تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة كما قال الشيخ ابن القيم في إعلام الموقعين يتعرضون لها وكم مسألة من المسائل المعاصرة وقف فيها العلماء إلا وبينوا الحكم الشرعي فيها سواء أخذ به الناس أو لم يأخذوا.

٭ (الرياض): بصفتكم خبيراً في مجمع الفقه وقد ذكرت في جوانبك السابقة أن مجمع الفقه يقوم بدوره على أكمل وجه، لكن البعض يقول إن هناك تأخيراً وعدم إيصال جميع الفتاوى التي تطرق إليها المجمع إلى الآخرين ربما لما يعود لقصور الإعلام أو الدعم؟

- د. محمد النجيمي: المجمع الدولي الفقهي الذي خبرته قام بدوره خير قيام وبحث جميع المسائل التي تعرض عليه ويناقش الأعضاء والخبراء في جلسات تستخدم ستة أيام بمعدل أربع ساعات في الجلسة الصباحية وأربع ساعات في الجلسة المسائية. وهذه جلسات سنوية، وذلك لقصور الدعم المالي فلو كان هناك دعم مالي كان المجمع يمكن أن يجتمع مرتين في السنة. لكن الدعم المالي يأتي من دول محددة وقليلة ومنها المملكة مثلاً والكثير من الدول الإسلامية لا تقوم بدعم المجمع إلا بالبسيط جداً، فأنا أقول المجمع الفقهي يحتاج إلى دعم مالي أولاً وثانياً يحتاج إلى أن يقوم الإعلام بنشر هذه الأحكام الفقهية. نحن مثلاً اجتمعنا في هذه السنة في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة وكانت المناقشات علنية ولم نجد إلا القليل من وسائل الإعلام العربية والإسلامية حاضرة على الرغم من أنها علنية في جلساتها واللقاءات مفتوحة مع الأعضاء والخبراء وأنه بإمكان الإعلاميين أن يحضروا الجلسات وبإمكان التلفزيونات أن تنقل الجلسات على الهواء مباشرة أو أجزاء منها. ولكن لم يحدث إلا قليلاً، وهذا تقصير من وسائل الإعلام على الرغم من أن المجمع معروف أنه سيجتمع ومنشور ذلك في الصحف جميعها وأن المجمع سيجتمع في المكان الفلاني من تاريخ كذا إلى تاريخ كذا وان الجلسات تبدأ وتنشر في الصحف وحتى الموضوعات، والمتحدثون سينشرون ما يتعلق بهم. فإذاً المجمع يريد كغيره من المجامع الفقهية دعماً مالياً وأن تتحرك وسائل الإعلام في هذا المقام.

٭ (الرياض): هل هناك موضوعات أخرى تود التطرق إليها الآن؟

- د. محمد النجيمي: نذكر لكم على سبيل المثال بعض الموضوعات التي تطرقت إليها المجامع وهي موضوعات عصرية ومهمة مثلاً المجمع الفقهي الدولي هذا العام بحث عدة موضوعات، لكن أريد فقط أن أذكر موضوعين أو ثلاثة لأبين لكم أهمية ودقة الموضوعات التي يناقشها المجمع وكيف صدر فيها قرارات وأحكام جميلة. مثلاً تعرض المجمع هذا العام لمسألة الخلافات الزوجية بسبب راتب الزوجة الموظفة، حيث هناك خلافات زوجية ترتبت في كثير من الدول الإسلامية لسبب أن المرأة خرجت وأصبحت موظفة وأصبح الزوج يقول إن هذه المرأة موظفة ولا بد أن تشارك معي في عملية الإنفاق وإيجار المنزل وخلاف ذلك. والمجمع ناقش هذه القضية وقدمت فيها خمسة أبحاث، وناقشها المجمع في أكثر من أربع ساعات بالإضافة إلى اللجان الفرعية وتوصل إلى قرارات من أهمها أن نفقة المرأة العاملة في البيت من المسكن والمأكل والمشرب والملبس هي على الزوج. ولا يجوز له أن يجبر زوجته بأن تشترك معه، اللهم إلا إذا ترتب على خروجها نفقات مالية زائدة كأن ترتب على خروجها خادمة أخرى غير الموجودة أو ترتب على ذلك سائق وتكاليف مالية نتيجة خروجها من البيت فهذه عليها، أما ما يتعلق بالنفقة العامة من مأكلها ومشربها وكسوتها العادية فهذه أمور على الزوج، وأما ما يترتب على خروجها كأن يستأجر قريباً من مدرستها وما يترتب على ذلك من غلاء، هذا يكون على المرأة في حالة الاختلاف. إذاً المجمع حسم قضية غاية في الأهمية. مثال آخر في الكثير من الدول الإسلامية انعدمت العاقلة أو انحسرت وأصبح إذا قتل الإنسان قتلاً شبه عمد أو خطأ لا يجد من يساعده في دفع الدية فيبقى في السجن لسنوات، فتوصل المجمع إلى بدائل للعاقلة فأولاً حث الدول الإسلامية على أن تحيي دور العاقلة كما وردت في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن نشجع الأسر والعوائل والقبائل إلى العودة إلى هذا النظام الإسلامي، ولكنه اتخذ قرارات عدة منها أنه تعتبر شركة التأمين الإسلامية التعاونية إذا نصت في نظامها الأساسي أنهم يعتبرون عاقلة، فهذا بديل من البدائل، وكذلك النقابات إذا نصت على ذلك في نظامها الأساسي وأيضاً الاتحادات، كذلك أجاز المجمع أن تكون للدوائرالحكومية وتجمعات الموظفين صندوق جمعيات مالية يدفعونها إذا حدث لأحدهم مكروه أو عن طريق الحكومة، هذا يعني أن المجمع اتخذ قرارات في ثلاثة موضوعات غاية في الأهمية.

بالنسبة للتأمين فإن المجمع قد توصل إلى قرار قبل هذا وأكده الآن بأن التأمين التعاوني الإسلامي جائز وأنه لم يختلف عليه الفقهاء المعاصرون، وقد حدث اختلاف بسيط ليس في المجمع، وإنما خارج المجمع من بعض الفقهاء الذين لهم اعتراض على التأمين جملة وتفصيلاً، لكن الفقهاء في المجمع قالوا إن هذا ليس صحيحاً. وخرج المجمع بقرار أكد عليه أيضاً في دورته الحالية بأن التأمين التعاوني والتأمين الاجتماعي الذي هو عبارة عن معاشات التقاعد والتأمينات الاجتماعية أن هذا تأمين إسلامي جائز، بل شجع المجمع على أن يكون هناك تأمين إسلامي وأشار إلى هذا، والدليل على ذلك إجازته للتأمين الإسلامي الصحي، وقد طالب المجمع الدول الإسلامية التي فيها شركات تأمين تعاونية أن تكون هذه الشركات فيها لجان شرعية حتى يحصل ضبط للتعاملات حتى يكون تأميناً تجارياً، لأنه إذا كان تأميناً تجارياً تحصل مراباة ويحصل فيه الاستغلال ويحدث فيه التهرب من أداء الحقوق، فإن هذا ليس تأميناً شرعياً صحيحاً.

والتأمين على الرخصة أو أي نوع من أنواع التأمين إذا كان تأميناً إسلامياً تعاونياً مبنياً على القرارات التي اتخذها المجمع وبالضوابط الشرعية وبما قررته هيئة كبار العلماء في المملكة حول هذا الموضوع في وقت سابق فإنه يكون تأميناً إسلامياً، لكن مشكلة شركات التأمين القائمة الآن في البلد أنها لم تكون لجاناً شرعية إلى الآن، حتى نستطيع أن نقول بأنها التزمت بالتأمين التعاوني الإسلامي، أو لم تلتزم ولم تكون لجاناً شرعية إلى لحظتنا هذه، ومن هنا لا نستطيع القول أنها تجوز ما لم تكون لجاناً شرعية معروفة من العلماء، فإذا كانت هناك في الدولة شركة تأمينية تعاونية واحدة تكون الحكومة لجنة شرعية وإذا كانت عدة شركات فكل شركة تكون لها لجنة شرعية، وتعتمد هذه اللجنة الشرعية عند الجهات الشرعية كما عند الراجحي مثلاً. وأضرب مثلاً لجهتين ملتزمتين لديهما ضوابط شرعية كشركة الراجحي وبنك البلاد اللتين لديهما لجان شرعية فإذا اهتمت لجان شرعية معروفة وضبطت شركات التأمين وضعها فإن المجتمع والناس جميعاً سيرحبون بها لأن هذه معاملات معاصرة أجازها العلماء بضوابط شرعية.

٭ (الرياض): البعض يأخذ من باب سد الذرائع مسلكاً في هذا المجال، وبالتالي يغلق الباب أمام الاجتهاد وينحصر في إطار معين؟

- د. محمد النجيمي: باب سد الذرائع فتحه وفتح باب الشبهات ممنوع شرعاً، وفي الوقت نفسه إغلاق باب الاجتهاد بما يسمى سد الذرائع هذا ليس جائزاً شرعاً. نحن نقول إن سد الذرائع في الشرع الإسلامي مبيَّن بشروط وضوابط. والذريعة إذا كان يترتب عليها شيء من مفسدة شرعية واضحة فمنعه، وأما إذا كانت مفسدة متوهمة أو غير واقعة فلا يجوز التوسع فيه، لأن التوسع في سد الذرائع شر مثل التوسع أيضاً في إغلاقها وكلا الأمرين سيئ يعني إذا قلنا إنه من باب سد الذرائع نغلق كافة شركات التأمين كمثال ولا نسمح بالتأمين كما يقول البعض إن التأمين بجميع أنواعه الثلاثة محرَّم سواء كان تأميناً تجارياً أو تعاونياً أو اجتماعياً. ومن باب سد الذرائع نقول له لقد أسأت لا بد أن تفصل وتبيِّن فما كان محرَّما نقول إنه حرام وما كان مباحاً فنبين الإباحة بشروط.


عودة الى قضايا اسلامية

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية