بحث



الجمعة 27 ربيع الأول 1426هـ - 6 مايو 2005م - العدد 13465

عودة الى قضايا اسلامية

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


دعا إلى تطهير المكتبة الإسلامية من «الألغام الفكرية» وتعزير من يفتي بغير علم
الركابي لـ «الرياض» المعركة ضد الإرهاب يجب أن تدار داخل العقول

حوار - أحمد الجميعة:
    دعا الشيخ زين العابدين الركابي المفكر الإسلامي إلى إزالة الخلط والتلبيس والتدليس بين الإسلام والإرهاب، مشيراً إلى أن منهجنا الإسلامي مليء بالنماذج والصور التي توضح التناقض بينهما.

وقال في حديث ل «الرياض»: إن مناقضة الإسلام للإرهاب لا تعني براءة المسلمين كافة من هذا المرض الوبيل، فليس كل المسلمين يلتزمون بالإسلام الحق في الفهم والتطبيق.

وأضاف: أن تسلل المفاهيم والأفكار المنحرفة إلى عقول الشباب وأفئدتهم وأنفسهم راجعة إلى الفراغ النفسي والفكري، والجهل بالدين، والاستغلال «الخبيث» لموقف وآراء الشباب.

وأشار إلى أن المعركة الحقيقية لعلاج ظاهرة الإرهاب يجب أن تدار داخل العقول، إلى جانب تطهير المكتبة الإسلامية من «الألغام الفكرية»، كذلك احياء سياسة «التعزير» وتطبيقها على الذين يفتون بغير علم.

وفيما يلي نص الحوار مع الشيخ الركابي:

٭ «الرياض»: أكدتم مراراً في كتاباتكم أن الإرهاب والإسلام لا يجتمعان لكننا نرى أن الإرهاب بكافة أشكاله موجود على الساحة الإسلامية أو يتدثر بعباءة الإسلام فما تعليقكم على ذلك؟

- الركابي: حقيقة أن الإسلام والإرهاب نقيضان لا يجتمعان قط.. فالإسلام رحمة ونور ولين ورفق واعتدال ونظام وبناء وإصلاح وسلام، بينما الإرهاب على النقيض من ذلك، إذ الإرهاب، قسوة وظلام وشدة وعنف وغلو وتطرف وهدم وإفساد وحرب فاجرة.. صحيح أنه حصل خلط وتلبيس وتدليس في هذه القضية، ولذا ينبغي تطويل النفس، وتوضيح المنهج الذي يزيل الخلط وينقض التلبيس والتدليس، وفي مقابلة كهذه يصعب استقراء المنهج، ومن هنا نكتفي بتقديم مجموعة من النماذج والصور التي توضح التناقض بين الإسلام والإرهاب:

1- نقرأ في القرآن:

أ- {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}.. والإرهابيون يتعاونون على الإثم والعدوان، أي يفعلون ما هو نقيض الآية.

ب- {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}.. والإرهابيون قساة أفظاظ غلاظ القلوب: على نقيض الرحمة واللين ورهافة الحس ورقة القلب.

ج- {ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين}.. والإرهابيون يبغون الفساد في الأرض: يفعلون ما هو عكس الآية وضدها ونقيضها.

2- ونقرأ في السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

أ- «إن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء».. والإرهابيون يعملون نقيض هذا البلاغ التحذيري النبوي الصارم، فهم يخوضون في الدماء الآدمية المعصومة ويستبيحونها.. مضادة سافرة لهدي النبي في عصمة الدماء، وعظم شأنها: سواء كانت دماء مسلمين أو غير مسلمين.

ب- «من حمل علينا السلاح فليس منا».. والإرهابيون يناقضون هذا الحديث بحملهم السلاح ضد المسلمين، وترويعهم وضربهم وقتلهم به.

ج- «ليس من أمتي من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشا مؤمنها، ولا يوفي لذي عهدها، فليس مني ولست منه».. والإرهابيون يناقضون هذا الحديث إذ يباشرون ما نهى النبي عنه: بخروجهم على الأمة يضربون برها وفاجرها ولا يتحاشون مؤمنها، ولا يوفون لذي عهد.

د- «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف».. والإرهابيون يفعلون ما هو نقيض مدلول الحديث ومنطوقه إذ يمارسون العنف بحراً وبراً حجة ثابتة ودموية متزايدة، وكأنهم فسخوا حديث النبي بحديث نقيض من عندهم يقول: «إن الله عنيف يحب العنف»، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.

بهذه النماذج والصور والبراهين: يتضح التناقض بين الإسلام والإرهاب.

بيد أن مناقضة الإسلام للإرهاب، لا تعني براءة المسلمين كافة من هذا المرض الوبيل.. فليس كل المسلمين يلتزمون بالإسلام الحق في الفهم والتطبيق.. مثلاً: الإسلام أمر بالعدل والشورى والصلاة والانفاق والتسامح وإجلال المرأة في حين أن هناك مسلمين ظلمة ومستبدون وتاركون للصلاة وبخلاء ومتعصبون وحاطون من قدر المرأة ومهينون لها.. وكذلك يفعل الإرهابيون في صورة مغلظة.. فهم يرفعون شعار الإسلام ويزعمون الغيرة عليه ويتدثرون بعباءته بينما هم - في الحقيقة والواقع - يناقضون منهجه وهداه. ويشوهون صورته، ويعينون الأعداء على النيل منه.. والعبرة: ألا نغر بمن تدثر بالإسلام ورفع شعاره حتى نتبين - بدقة - صحة منهجه في العلم والفهم وحتى نرى استقامة أفعاله على المنهج الصحيح، وإلا فإن الدعاوى الباطلة كثيرة - أمس واليوم - وهي دعاوى كشفها منهج الإسلام وأبطلها لئلا ينخدع بها مسلم: أمس أو اليوم، فمن الدعاوى الباطلة أن قوما يزعمون أنهم مصلحون وهم متلبسون بالفساد موغلون فيه مباشرون له: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}.. ومن الدعاوى الباطلة: أن قوما آخرين يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وهم شر الخلق. فقد صح عن النبي انه قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة: قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، هم شر الخلق، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء».

مواجهة الفكر الضال

٭ «الرياض»: لم تسلم المملكة كغيرها من دول العالم من خطر الإرهاب، ترى كيف تسللت الأفكار المنحرفة المسببة للعمليات الإرهابية لدى فئات من الشباب في المجتمع السعودي المتدين؟ وما هي الحلول المقترحة لمواجهة هذه الأفكار والقضاء عليها؟

- الركابي: تتسلل المفاهيم والأفكار المنحرفة إلى عقول الشباب وأفئدتهم وأنفسهم من مداخل شتى منها: الفراغ النفسي والفكري، فأيما فكرة وجدت قلباً خالياً تمكنت منه، وحين يكون الشاب (منخفضاً فكرياً ونفسياً) فإنه يصبح بذلك مهيأ للرياح الفكرية والثقافية من كل جهة.. ومن هذه المداخل: الجهل بالدين: بحقيقته وجوهره ومقاصده ومفاهيمه الأساسية وقيمه العليا المضيئة. فالجهل بذلك يدفع الشباب إلى المهالك حتى مع وجود التدين الشكلي أو الظاهري، فالإسلام فهم يسبق التطبيق ولذلك قال النبي: «من يرد الله به خير يفقهه في الدين» وإلا فإن الخوارج كان لديهم كم هائل من التدين الظاهري، أو كانت لديهم (أطنان) ضخمة منه، ولكنه لم يغن عنهم شيئاً، فهم قد خرجوا من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية.. لماذا؟ لأنهم (عملوا) أو (طبقوا) وفق فهم منحرف، أو بلا منهج صحيح.. ومن هذه المداخل إلى نفوس الشباب (الاستغلال الخبيث) لاستعدادهم الحسن لفعل الخير، وخدمة الأمة، فمنهم من يريد أن يفعل الخير لنفسه وأمته، فجاء مردة الانس فوظفوا هذا الاستعداد في برامج العنف والإرهاب.

أما الحلول المقترحة فنوجز بعضها فيما يلي:

1- بناء كل البرامج في هذا المجال على حقيقة أو قاعدة: أن الفعل الإجرامي: صورة مادية لفكر منحرف فاسد.

2- أن المعركة الحقيقية الكبرى الطويلة المنتظمة يجب أن تدار داخل العقول، لأن الجريمة تولد وتتركب وتتغذى هناك وما لم يطهر المنبع ويعقم. فمن العسير تصور نجاح العلاجات الاخرى.

3- معالجة (المكتبة الإسلامية) بالنقد والاستدراك والنقض، فليس كل ما يقال عن الإسلام، أو يكتب باسمه صحيحاً، وبناء على النقد أو النقض (الموضوعي العلمي) تسفر حقيقة: أنه من المستحيل: أن تكون كل الكتب المؤلفة والأشرطة المسجلة - مثلاً - صحيحة أو معصومة، بل إن فيها الكثير.. الكثير من الخطأ والعوج.. ومن أشد هذا العوج: ضلالا وضررا: تلك الأفكار الغالية في التكفير والعنف.. ومن الواجب الناجز: تطهير هذه المكتبة من هذه الألغام الفكرية.

4- من البدائل والحلول المجدية: (احياء سياسة التعزير وتطبيقها) على الذين يفتون بغير علم.. ونقول (احياء) لأن لهذه السياسة (سوابق) و(أسانيد) في تراثنا الفقهي.. يقول الماوردي - مثلاً - في الأحكام السلطانية: «وإذا وجد من يتصدى لعلم الشرع وليس من أهله من فقيه أو واعظ، ولم يأمن اغترار الناس به في سوء تأويل أو تحريف جواب: أنكر عليه، وأظهر أمره لئلا يغتر الناس به، فإن تاب وإلا فالسلطان بتهذيب الدين أحق».. وليس هذا مصادرة لحرية الرأي. فالدين ليس رأيا مزاجياً نزقاً.. ثم ان الصواب نفسه ينبغي أن يتقيد بالمقاصد العليا، والمصلحة الأرجح.

عالمية الإرهاب

٭ «الرياض»: لماذا تحول الإرهاب من وجهة نظركم إلى ظاهرة عالمية لم يسلم من شرها أي مجتمع بغض النظر عن الدين السائد في هذه المجتمعات، وهل يتحمل النظام الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولية تضخيم وتناقم ظاهرة الإرهاب؟

- الركابي: ثمة أسباب عديدة ل (عالمية الإرهاب) أول هذه الأسباب: إن الإرهاب لا ينحصر في دين بعينه، ولا في جنسية مفردة، ولا في ثقافة دون غيرها من الثقافات (وإن كان هناك دوائر معروفة تريد حصر الإرهاب في الإسلام والعرب والمسلمين).. ونفى أن يكون الإرهاب محصوراً في دين معين، أو جنسية محددة: يثبت أن الإرهاب عابر للأديان والقارات والثقافات.. السبب الثاني هو: أن الإرهاب (عدوى) تشبه العدوى المرضية أو الوبائية التي تصيب الأجسام: ما أن يتعرض لها ذو استعداد لها حتى يصاب بها.. والسبب الثالث: تداخل العلاقات العالمية وتشابكها ووجود شبكة هائلة من المواصلات والاتصالات.. والسبب الرابع: تلك (الفوضى في محاربة الإرهاب)،. فالإرهاب لا يفرح بشيء فرحه بالفوضى العالمية، فهي أفضل مناخ لحركته وبطشه وجنونه. ونحن لا نتردد أن نقول: إن الانحراف الكبير بالحرب على الإرهاب قد قدم خدمة جزيلة مجانية للإرهاب.. مثلاً يقول ريتشارد كلارك (الذي كان مسؤولاً عن مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي الأمريكي) يقول: «إن الإدارة تجاهلت التهديد الذي كان يمثله تنظيم القاعدة قبيل هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الرغم من علمها بهذه التهديدات. وكنت أنا وتينت نشعر بالأسى دائماً لأن تنظيم القاعدة لا يعالج بالجدية اللازمة من جانب الإدارة، وانه حتى بعد هجوم سبتمبر واختفاء ابن لادن في أفغانستان أرادوا ضرب العراق بعد الهجمات مباشرة، على الرغم من عدم وجود أي علاقة بين العراق والهجمات».

صراع الحضارات

٭ «الرياض»: صراع الحضارات التي يروج لها في الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية هل يعد سبباً لظهور الجماعات الإرهابية والمتطرفة في دول العالم؟

- الركابي: إن الإرهاب يتغذى بالأفكار الخاطئة المهتاجة.. ومن الراجح أن أفكاراً مثل فكرة (صراع الحضارات) ترتفع معدلات التوتر والتهيوء للصدام. هذا صحيح ولكي لا يستفيد الإرهابيون من هذه الملاحظة نسارع فنقول: إن الإرهاب الأعمى المجنون ليس حلا في هذا المجال، بل هو جزء من استراتيجية صراع الحضارات بمعنى: أن يكون نزق الإرهاب ذريعة واسعة لهجوم معنوي ومادي شامل على الإسلام والمسلمين.. وهذا ما وقع على الأرض.

مفهوم الإرهاب

٭ «الرياض»: تباين مصالح القوى العالمية الكبرى إلى أي مدى ساهم في وجود حالة من الرمادية والفوضى في تعريف الإرهاب وإيجاد آلية مواجهة؟ وكيف يمكن تجاوز هذا التباين؟

- الركابي: لا يمكن أن تتحقق مكافحة جذرية وجادة وواسعة النطاق للإرهاب بدون تعريف موضوعي مضبوط له، فالمفهوم - في أي عمل - يسبق التطبيق.. هذه واحدة.. والأخرى انه لا يمكن انعقاد اجماع عالمي فعال إلا من خلال رؤية مشتركة للإرهاب.. هذه ثانية، والثالثة: أن الاعراض المتعمد عن تحديد مفهوم الإرهاب، يلقي الشك العاصف في خطط مكافحته، وهو شك يقول - مثلاً - إن الجماعة تعمدوا عدم تحديد المفهوم بسبب أن عندهم أجندة سياسية واستراتيجية خاصة يريدون تطبيقها تحت شعار مكافحة الإرهاب.


عودة الى قضايا اسلامية

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية