بحث



الجمعة 27 ربيع الأول 1426هـ - 6 مايو 2005م - العدد 13465

عودة الى نوافذ

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


بضاعته تعبر النهر إلى المشترين
الحرفي الدمشقي أبو صالح يبتكر طريقة طريفة لبيع سلعه الجلدية

شرفة المحل
شرفة المحل

دمشق - ابراهيم حاج عبدي
    حين يسير المرء في دمشق في شارع مرصوف بالحجارة السوداء يتوسط قلعة دمشق وضفة نهر بردى ينتبه إلى شرفة تطل من الضفة الأخرى للنهر، مليئة بالسلع والحاجيات الجلدية المعروضة للبيع، ولكن النهر يفصل المارة عن البضاعة فقام، صاحب المحل، محمد علي بكداش المكنى بابي صالح باختراع طريقة فريدة وطريفة للبيع تلفت النظر، إذ عمل على مد بعض السلك المعدني بين شرفة محله ورصيف الشارع من فوق النهر، وربط بهذا السلك صندوقا بلاستيكيا يمرر عبره البضاعة للمشتري، وهذا الأخير بدوره يضع له ثمن البضاعة في الصندوق الذي يسحب بحبل، وهكذا استطاع أبو صالح التغلب على هذه العقبة المتمثلة في النهر الذي يفصله عن زبائنه.

وليست طريقة أبو صالح المبتكرة في البيع هي الوحيدة التي تلفت النظر بل كذلك الصناعات التي يقوم بصنعها، فهو يبيع ما يصنعه في محله الصغير. هو بائع وحرفي في نفس الوقت، وربما كانت الأدوات والحاجيات التي يصنعها تلفت النظر أكثر من طريقته المخترعة في البيع، فحين يدخل الزائر إلى محله من أحد الأبواب الخلفية المخفية، والضيقة، يجد مشغلا صغيرا فيه أدوات بسيطة يستخدمها هذا الحرفي في صناعته، وهي صناعة الجلديات التي تعتبر من اقدم الصناعات التي ابتكرها الإنسان، والتي ورثها أبو صالح عن والده، وهو يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 35 عاما، وهي صناعة بدأت تتراجع كما يقول أبو صالح وذلك نظرا لطبيعة السلع التي يصنعها، فهي سلع تصنع بطلب من أحد الزبائن في الغالب لأنها سلع تستخدم لاستعمالات معينة وخاصة.

تعتمد صناعته على الجلود بصورة أساسية، والجلود هي مادة متينة ومرنة، وتعد الماشية المصدر الرئيسي لها، وهي ذات استخدام واسع، وتصنع بعض الجلود المدبوغة المميزة من جلود التماسيح وسمك القرش والثعابين، وتسمى عملية تحويل جلد الحيوان الحي إلى منتج مفيد «الدباغة»، ويتميز الجلد المدبوغ، كما يقول أبو صالح، بمقاومته العالية ودرجة تحمله الكبيرة، والجلود المدبوغة بعضها سميك وثقيل، وبعضها الآخر رقيق، ويمكن صباغة الجلود المدبوغة وتلميعها حتى تصير منتجا لامعا أو مزينا بأشكال بارزة.

سلع متنوعة

يعج محل أبو صالح بأشياء متنوعة لا تخطر على البال، ومن هذه الأشياء والسلع يعدد لنا أبو صالح ما يقوم بصنعه: صداري للصيد، محافظ نسائية ورجالية من مختلف الأحجام والأشكال، أحذية، سبوك لصيد الصقر، برقع لرأس الطيور الجارحة، شواحات للخيول، كرباج للخيول، بيوت جلدية للمسدسات من مختلف الأحجام والقياسات، أحزمة لبنادق الصيد، أحزمة صحية للظهر، آرمات جلدية تنقش عليها آيات قرآنية كريمة وأحاديث نبوية شريفة، صنادل نسائية، خف طبي وكذلك خف مخصص للصلاة، قفازات جلدية يدوية، قبعات متنوعة، غمد جلدية للسيوف والخناجر يستخدمها سكان البادية، أحزمة وأدوات للتخفيف من وجع الرأس والظهر وغيرها الكثير من الأدوات النادرة التي يزينها أبو صالح بنقوش وكتابات ورسوم مستمدة من التراث الإسلامي، غير ان أبو صالح يقر بان الإقبال على سلعته بدأ يخف في هذا العصر، لكن مهارة أبو صالح تظهر بوضوح في الإتقان والبراعة التي يصنع بها أدواته وسلعه.

يقول أبو صالح بأنه يحصل على المادة الأولية (الجلود) من الدباغات، وتختلف أسعار وأنواع الجلود فهناك جلد البقر، وجلد الغنم، والجمل، والغزال، والمعزاة...وغيرها من الحيوانات ذلك ان جلد كل حيوان يصلح لأنواع معينة من السلع، وهو يقوم بشراء الجلود عن طريق وحدة قياس هي القدم وهي تساوي 33 سنتيمترا مربعا، حيث يبلغ سعر القدم الواحد حوالي 60 ليرة سورية (الدولار الأمريكي يعادل 50 ليرة سورية)، ثم يقوم بقص الجلود بحسب السلعة التي سيقوم بصنعها، وغالبا ما يقوم بصناعة هذه السلعة أو تلك بحسب طلب الزبائن.

ويضيف أبو صالح بان معظم زبائنه هم من الخليج العربي ومن البلدان الأوربية موضحا بان «السائح الخليجي يبحث عن عدة الصيد ومستلزماته، وكذلك عن بعض الحاجيات التي تستخدم في البادية والتي لا تتوفر بكثرة في الأسواق، أما السائح الأجنبي فيلفت نظره طريقة الصنع، فالأوربيون ينظرون إلى صناعة الجلديات على أنها جزء من الفلكلور والتراث الشعبي فيقتنون بعض الحاجيات بمثابة الذكرى أو يقدمونها هدايا لأصدقائهم هناك في بلدانهم».

جزء من الفلكلور والتراث

ولا يخفي أبو صالح استياءه من ان هذه الصناعة في طريقها إلى الاختفاء، لكنه يعرب عن فخره واعتزازه بهذه الصناعة التي يعتبرها صناعة الآباء والأجداد الذين برعوا فيها، وهو يشكو من غياب الدعم الرسمي لهذه الصناعات التراثية لافتا إلى أن هذه الصناعات تقدم صورة مشرقة عن عراقة مدينة دمشق كاحدى أقدم المدن التي برعت في مختلف الصناعات، كما يقول بان صناعته تسهم في تنشيط الحركة السياحية، فالشخص القادم من البلدان الأوربية مثلا لا يهمه الأحياء العصرية، والأضواء، والبريق بل يلفت نظره دائما المعالم والأماكن الأثرية في بلادنا، وكذلك الصناعات اليدوية التراثية التي تحمل عبق التاريخ، إذ تعتبر صناعة الجلديات من أهم الصناعات اليدوية.

ومثل هذا التجاهل الرسمي دفع أبو صالح إلى أن ينصح ابنه الضليع أيضا في هذه الصناعة بترك المهنة ذلك أن الإقبال يقل على هذه الصناعات، كما أن الجهات الرسمية لا تقدم أي دعم، لكن أبو صالح رغم هذه الحقيقة يقول بان ثمة متعة في هذا العمل فهي تتضمن الفن، والإتقان، والحذق، والمهارة ومهما بلغت سلع المصانع والمعامل من الإتقان والجودة فإنها لا تضاهي العمل اليدوي للإنسان الذي يضفي على السلعة التي بين يديه شيئا من روحه ومن كيانه، ويقضي ساعات طوالا كي تخرج السلعة بمهارة وبجمالية تأسر القلوب.

وتتفاوت أسعار الحاجيات التي يقوم أبو صالح بصنعها فقد تعثر على سلعة لا يتجاوز ثمنها 100 ليرة سورية، وقد يرتفع السعر بالنسبة لسلعة أخرى ليصل إلى 3000 ليرة سورية مثلا وهو يقول بان الجهد الذي يستغرقه كل سلعة هو الذي يحدد سعرها، ويشير أبو صالح إلى ان بإمكانه ابتكار الكثير من الحاجيات والأدوات غير أن واقع العمل الصعب، وقلة الطلب على صناعته يدفعه إلى الشعور ببعض الإحباط لكنه يؤكد بأنه لن يترك أبدا هذه المهنة إذا لم تضطره الظروف المعيشية الصعبة إلى تركها ذات يوم.


عودة الى نوافذ

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية