يعتبر اللبن من الأغذية المثالية للأطفال والكبار، وذلك لفوائده الغذائية الكبيرة، ولسهولة هضمه، فهو مصدر ممتاز للبروتينات والنشويات والدهنيات سهلة الهضم، وكذلك الأملاح المعدنية كالكالسيوم والفسفور والفيتامينات مثل فيتامين (أ، ب 12، د)، ومع ذلك فاللبن سلاح ذو حدين.
فرغم فوائده العديدة إلا أن من أخطر عيوبه هو محاولة إطالة صلاحيته بطرق تؤدي إلى دمار صحة الإنسان من خلال إضافة مادة الفورمالين لإطالة عمر اللبن وإيقاف نمو الميكروبات، وخطر هذه المادة في تأثيرها السيئ على الكبد والكلى، أيضاً إضافة كربونات أو ماء أكسجين إليه حتى لا يتجبن، هذا خلاف الهرمونات التي تعطى للأبقار لزيادة إنتاجها من اللبن، وخطورة هذه الهرمونات، والتي تسبب سرطان الثدي، وإن كان بعض العلماء ينفي ذلك، ومن عيوبه أيضاً أنه وسيلة سهلة لنقل الأمراض إذا كان ملوثاً وغير معقماً، وما ينتج عن ذلك من تسمم غذائي أو إسهال وكوليرا وحمى مالطية ودرن؟
فهل اللبن غذاء مفيد للإنسان.. أم سم قاتل؟
في البداية يقول د.هاني أحمد لطفي «استشاري طب الأطفال»: يعتبر اللبن من الوجهة الغذائية واحداً من الأغذية القليلة التي تتوافر فيها كل مكونات الغذاء، ويرجع ذلك لاحتوائه على كافة العناصر الغذائية والفيتامينات اللازمة لنمو الجسم في مراحل السن المختلفة.
وبروتين اللبن يعتبر مادة مكملة لبروتينات الحبوب والخضروات التي يعتمد عليها أطفالنا في غذائهم، فهو يحتوي على الأحماض الأمينية الأساسية التي تقل نسبتها بدرجة كبيرة في الحبوب، لذلك فإن إضافة اللبن الحليب إلى هذه الحبوب المستخدمة في طعامنا يزيد من قيمة البروتين فيها، واللبن سائل كثيف مائل إلى البياض، ذو رائحة خفيفة مقبولة وطعم حلو لذيذ.
ويحتوي اللبن على 86٪ ماء، و5٪ سكر، و4٪ مواد دهنية، والباقي مواد بروتينية ومعدنية (كالسيوم وفوسفور) وفيتامينات (أ، ب12، د) وبقدر ما لتركيب اللبن من قيمة غذائية عالية أعطته هذه الميزة بين سائر الأغذية، فإن هذا التركيب هو نفسه السبب في كون اللبن بيئة صالحة لنمو الميكروبات المرغوب فيها، والضار منها على السواء.
وتعتبر أشهر الصيف بسبب ارتفاع درجة الحرارة من أنسب الظروف لانتقال ونمو وتكاثر الميكروبات الملوثة للبن، لذلك فإن شرب اللبن بدون تعقيم سواء بالغلي أو البسترة يكون وسيلة من وسائل نقل الأمراض المعدية مثل حمى التيفود والباراتيفود والإسهالات المعوية المختلفة، والدوسنتاريا الأميبية والتسمم الغذائي والكوليرا والالتهاب الكبدي الوبائي والدرن والدفتريا والحمى المالطية.
ولا يقتصر الأمر على اللبن الملوث بل يمتد أيضاً إلى منتجاته من الجبن والزبادي والآيس كريم وغيرها، والعدوى من هذه الأمراض قد يكون مصدرها الإنسان أو الحيوان نفسه، فالحمى المالطية على سبيل المثال، والتي تسمى أيضاً البروسيلا، هي في الحقيقة مجموعة من الحميات تصيب الحيوانات، وتنقل العدوى للإنسان عن طريق تسرب لبنها بدون غليان أو بسترة، أو عن طريق الاختلاط بهذه الحيوانات، لذلك فإن غلي اللبن، وعملية البسترة خير وسيلة للقضاء على هذه الأمراض.
وعن استخدام المواد الحافظة وفائدتها أو خطورتها يقول أيمن منير عبدالوهاب، استشاري الأمراض الباطنية: المواد الحافظة سلاح ذو حدين، فإذا استخدمت بالنسب المسموح بها وللغرض المخصص لها، فلا خوف منها، أما إذا زادت عن النسبة المسموح بها، أو استخدمت لغرض آخر، فهنا مكمن الخطر على صحة الإنسان.
ومن أشهر المواد الحافظة، والتي تستخدم في الألبان ماء الأكسجين (فوق أكسيد الإيدروجين): ويستخدم لحفظ اللبن من التخمر وتطهيره من الميكروبات التي تعيش فيه، فمن المفروض إضافة 0,1٪ ماء أكسجين إلى اللبن السائل لعدة دقائق حتى اتمام التعقيم، ثم يضاف أنزيم الكتاليز، حتى يحلل باقي الأكسجين النشط المائي، ثم يعامل بالحرارة، وتؤدي هذه الطريقة إلى تقليل الحد الكلي للميكروبات العضوية، بالاضافة إلى القضاء على الميكروبات اللاهوائية المتجرثمة ومجموعة القولون، وهي لازمة لتكوين فيتامين (ب)، رغم أنها ميكروبات، والقضاء على هذه الميكروبات بسبب نقصها في فيتامين (ب)، أي أن هذه المادة ضارة حتى بمقاديرها الصغيرة.
هناك أيضاً النيسين (وهو مضاد حيوي)، ويستعمل كمادة حافظة كذلك، ورغم أن النيسين يعتبر مادة حافظة مضادة للبكتريا، وهي تتحلل بواسطة الانزيمات الهاضمة، فقد وجد أن إضافتها تقلل من أعداد البكتريا، لكنها لا تلبث أن تعود إلى العدد الأصلي بعد ذلك؟ وهذه الميكروبات لها خاصية تحطيم النيسين، أي يمكن القول أيضاً إنه لا فائدة منها، أما أخطر المواد الحافظة التي تضاف إلى اللبن، فهي مادة الفورمالين، والتي تستخدم من أجل إطالة عمر اللبن، فإضافة الفورمالين إلى اللبن بتركيز 0,1٪ يمنع تخثر اللبن لمدة عشرة أيام، كما أن إضافة 0,1٪ فورمالين يزيد قوة حفظ اللبن لمدة 48 ساعة، وقد وجد أن إضافته تسبب تناقصاً في أعداد البكتريا المتجرثمة أكثر من بكتريا مجموعة القولون مباشرة. وعند إضافة الفورمالين بتركيز من 0,2٪ - 0,4٪ تختفي بكتيريا مجموعة الكوليفورم تماماً بعد 6 - 12 ساعة على الترتيب، وهذه البكتريا لازمة أصلاً لتكوين بعض من فيتامين (ب) المركب للجسم.
ومن الآثار الجانبية للفورمالين عند شرب اللبن أو أكل الجبن أو الزبادي تأثيره السيئ على الكبد والكلى، وحيث إن نقل اللبن خصوصاً من البلاد ذات الطقس الحار من مراكز الإنتاج إلى مراكز التوزيع يترتب عنها تخثر (تجبن) اللبن، لذلك أوصت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، بإضافة بعض المواد الحافظة بهدف قتل الكائنات الحية التي تسبب تخثر (تجبن) اللبن نتيجة تخمر سكر اللاكتوز الموجود به، وتحوله إلى حامض اللاكتيك، على ألا يزيد تركيز تلك المواد الحافظة، وأهمها ماء الأكسجين على 0,4٪ بشرط أن تضاف خميرة (الكتاليز) لضمان التخلص من ماء الأكسجين.
وتقوم هذه الخميرة بتحليل ماء الأكسجين إلى مكوناته من الأكسجين النشط والماء، ولكن نجد أن بعض المصانع والأفراد قد يلجأون إلى رفع هذا التركيز إلى أضعاف التركيزات الموصى بها لضمان سلامة وصول الألبان في حالة غير متجبنة، كما يحجم البعض عن إضافة خميرة (الكتاليز) إلى اللبن أثناء عملية البسترة، وذلك بسبب ارتفاع أسعارها، وبذلك تبقى تركيزات ماء الأكسجين بنسب عالية باللبن المنتج، مما يتلف من خصائص الأحماض الأمينية المكونة لبروتينات اللبن، وخاصة تلك المحتوية على عنصر الكبريت، وبالتالي فإنها تقلل من القيمة البيولوجية لبروتينات الألبان. وهذه الأحماض الأمينية المحتوية على عنصر الكبريت ذات أهمية في نمو الأطفال.
ويتابع د.أحمد لطفي، أستاذ طب الأطفال حديثه فيقول: في الأطفال الأصحاء نجد أن الغالبية العظمى منهم تنشط بأمعائهم خميرة اللاكتيز طوال مدة رضاعتهم من لبن الأم، إلا أن هناك ظاهرة طبيعية، وهي انخفاض نشاط الخميرة تدريجياً بعد فطام الطفل من أمه، وتختلف هذه الظاهرة من شعب إلى آخر، ومن طفل إلى آخر، فنجد أن نشاط الخميرة يظل مرتفعاً في فترات الصبا وحتى البلوغ في شعوب البلاد باردة الطقس، وقد علل سبب ذلك بأن سكر اللاكتوز يزيد من امتصاص عنصر الكالسيوم، وبالتالي يساعد على بناء العظام، وقد تم إنتاج خمائر مماثلة للخمائر المحللة لسكر اللبن الموجود بالأمعاء، حتى يمكن إضافتها إلى اللبن أثناء عملية البسترة، وبذلك تتحلل مكونات اللبن من سكر اللاكتوز، وبالتالي يمكن للأطفال الذين لديهم نقص في هذه الخميرة بالأمعاء أن يستعملوا هذه الألبان في أمان مع الأخذ في الاعتبار أن يكون الكبد سليماً، فالكبد يحول الجلوكوز إلى لاكتوز، وفي حالة حدوث خلل فيه يتخزن به، ويسبب حدوث مياه بيضاء في العين.
أما من يعانون من الانتفاخ، أو آلام المعدة أو الإسهال بعد تناول الألبان، فقد يكونون مصابين بحالة من سوء هضم مادة اللاكتوز (سكر اللبن)، وهؤلاء يمكنهم تناول كميات قليلة من منتجات الألبان تزداد تدريجياً.
وأخيراً أود أن أشير إلى أن اللبن مفيد أيضاً لكبار السن لاحتوائه على بروتين سهل الهضم، خاصة أنه يحتوي على الكالسيوم الذي يقي من هشاشة العظام، كما يعتبر اللبن ضابط إيقاع للحالة الجسمانية والغذائية لكبار السن، ولذلك يجب على كبار السن تناول كوب لبن يومياً للحصول على احتياجاتهم اليومية من الكالسيوم. كما أن اللبن يمنع حدوث الإمساك لديهم، بالإضافة إلى احتوائه على الفيتامينات اللازمة لهم.
(العرب أون لاين)