بحث



الجمعة 27 ربيع الأول 1426هـ - 6 مايو 2005م - العدد 13465

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


بالفصيح
هَلْقَم «قصة»

عبدالله الناصر
    الأكل أشهر عمل تاريخي مهم يقوم به الإنسان..! قالها الدكتور علي بثقة وهو يمسح بيده على بطنه بعد أن خرج من مطعم الجامعة.

صاح به سعيد وهو يفتح أزرار جيبه من شدة الحر وقد قذف عود الخلال من فمه : أهذا منطق أستاذ جامعة مثلك..؟ الأكل أعظم عمل تاريخي..؟!

- لا.. لم أقل أعظم قلت أشهر..

٭ ما الفرق..؟

- الفرق كبير وكبير جداً..

٭ رد سعيد: الإنسان يأكل ليعيش، لا يعيش ليأكل..

- هذا كلام مغلف بالحكمة والفلسفة والحقيقة ان الإنسان يعيش كي يأكل.

٭ أنت تجرد الإنسان إذن من كرامته وتحوله إلى حيوان لا غاية له إلا الأكل..

- بكل أسف نعم.. الإنسان يخاف من الفقر.. لأن الفقر يورث الجوع.. خوف الإنسان من الفقر هو الذي يدفعه إلى الحروب والسرقة والقتل والبطش.. يريد أن يسيطر.. يريد أن يستثمر كل شيء.. كي يشعر بأنه في أمان من الفقر.. الفقر حرمان من اللذة والمتعة.. ليس الفقير من لا يجد قوته.. بل الفقير هو المحروم أو من هو غير قادر على الاستمتاع بملذات الأكل والشرب وما يتبعهما من ملذات أخرى.. إذن الإنسان يا سعيد شئنا أم أبينا يعيش ليستمتع وليتلذذ..

٭ يرد سعيد منفعلاً: لا أكاد أصدق ما أسمع.. هذا تجديف، هذا انحراف بقيم الإنسان وأخلاقه.. هذا تجاهل وكسر للنواميس الإنسانية.. الإنسان الذي يموت دون مبدئه، الإنسان الذي يقاتل من أجل عقيدته ووطنه، الإنسان الذي يضرب عن الطعام حتى الموت من أجل حريته، الإنسان الذي يقدم قوت عياله لضيفه.. أهذا الإنسان يعيش ليأكل..؟

- نعم.. وكل ما أشرت إليه لا ينفي هذه الحقيقة.. كم عدد الذين يموتون من أجل مبادئهم، أو من أجل عقائدهم أو إكراماً لضيوفهم.. مقارنة بالذين يموتون بالسمنة والسكري وأمراض الإفراط في الأكل..؟!

المقارنة غير متكافئة والنسبة لا تذكر.. ثم إن أولئك الذين يموتون، أو يتصفون بالكرم المفرط، هم أناس في نظر علم النفس غير أسوياء.. فالذي يموت من أجل رأيه إنسان مصاب بالتهور وقلة الحيلة وعدم التزام الحكمة.. والذي يذبح فرسه أو ناقته من أجل ضيفه هو مريض بحب الشهرة وهوسها.. هؤلاء ليسوا أسوياء في نظر علم النفس..

٭ صاح سعيد: أشهد بالله أنك مريض.. وأنك تحتاج فعلاً إلى معالجة وحالتك لا تدعو إلى الاطمئنان..أي علم نفس..؟ وأي شيطان رجيم حل بك هذا اليوم..؟ أقبل أبومازن وهو يحمل حقيبته المنفوخة بالكتب وأوراق الطلبة ينفخ من شدة الحر.. ثم دعاهما إلى مكتبه بدل الوقوف..

جلس أبومازن قبالة المكيف الذي يهدر ولكنه لا يعطي البرودة الكافية، وراح يمسح العرق بالمنديل عن جبينه، وبقية وجهه.. ثم يمسح ذراعيه وقد حسر عنهما الأكمام..

٭ دخل علي مبتسماً وسعيد مقطباً منفعلاً يتمزق من الغيظ، وقبل أن يتحدثا أخرج أبومازن قطعة «ساندوتش» وراح يقضمها بشكل سريع وفوضوي ويخلط الأكل بالكلام: حر، تعب، جوع، إلى متى سينتهي هذا العذاب..؟

قلنا نتوظف ونرتاح.. توظفنا وزادت متاعبنا.. حتى الأكل لا نستمتع به كبقية الناس..

نظر علي إلى سعيد في خبث ورد سعيد النظرة بغيظ، وتحفز وهدوء مؤقت..

رن الهاتف.. رفعه أبومازن.. وكان على الخط مدير شركة «هلقم» لإنتاج الدواجن.. قائلاً: ان الجهة الرقابية أعدت تقريراً خطيراً يشير إلى إصابة الدواجن بالضعف ومنعت انزالها إلى السوق.. وأنه سيرسل صورة التقرير لأبي مازن بالفاكس لدراسته - بحكم كون «أبومازن» مستشاراً لشركة «هلقم» إضافة إلى عمله أستاذاً بالجامعة.. طالباً نجدته وإخراج الشركة من الموقف المحرج..

قال أبومازن بعد المهاتفة محدثاً الجالسين: أشرت عليهم بأن يضيئوا بيوت الدجاج في الليل وأن يزيدوا من كمية الهرمون ليأكل الدجاج وينمو لكنهم رفضوا.. انهم بخلاء لا يعرفون كيف يتدبرون أمورهم.. فإذا وقعوا في إشكال طلبوا الحل السريع.. راح يدندن ويفكر في حل سريع..

كانت آلة الفاكس تستقبل التقرير وهو ينظر إليه ويقضم..

غمز علي سعيداً بنظرة سريعة ذات مغزى..

٭ قال سعيد: الحياة لم يعد لها معنى..

- رد علي: الحياة هي الحياة.. اختلفت الوسائل والطرق..

جهاز الفاكس لا يزال يعمل.. والورق لا يزال يتعاقب.. وأبومازن يقضم ويفكر..

وضع سعيد يديه على ركبتيه وهمّ بالوقوف للانصراف.. لكن علياً بادره قائلاً: متى يا سعيد ستفهم الحياة.. أنت بهذه العجلة والتسرع.. لا تضيف للحياة معنى وإنما تزداد جهلاً بها.. حياة العصر حياة أكل ومتعة.. ثراء، ركض وراء الغنى والسعادة.. دواجن وهرمونات، جهاز فاكس، إنترنت، وورق، وساندوتش، وعرق.. هذه هي الحقيقة.. هذه هي فلسفة الحياة.. المثالية ماتت واندثرت.. كانت زيفاً كشفه واقع الحياة الحديثة بكل معطياته..

الإنسان يا سعيد يعيش ليأكل.. ويأكل ليأكل.. ويشرب ويتلذذ.. متعة الحس هي الحقيقة ومتعة العقل هي الزيف.. بل هي الإحراق وتدمير الأعصاب، والإصابة بالضغط.. والكآبة.. كن مرناً كما يجب.. كن أكولاً حقيقياً كي تعرف الحياة.. كن حوتاً ضخماً تلتقم الأسماك الأخرى.. اذهب إلى مدن الدنيا وستجد مطاعمها أكثر من مكتباتها بمئات المرات، وستجد رواد المطاعم هم الغالبية الساحقة.. أما رواد المكتبات فهم المعقدون وقصار النظر.. فلسفة الحياة بسيطة.. بسيطة جداً.. تتجلى في أغنية الأطفال: «يا مطرة هلي...».. المطر.. النبات، الثمر.. الأكل هذه هي الدورة الحقيقية للحياة..

البنوك المليئة بالذهب تهدف إلى الأكل والمتعة في النهاية.. لا أحد يأكل ذهباً ولا جواهر ولا ألماساً.. وإنما ليؤمن رغبة بطنه ويلبي شهواته.. القنابل التي تدمر الشعوب صنعت لتحمي بطون شعوب أخرى من الجوع..

كان أبومازن منهمكاً يعلق على كل نقطة في التقرير الذي وصله بالفاكس.. يعلق بالقلم الأحمر.. وحينما انتهى من ملاحظاته بعثه مرة أخرى بالفاكس وهو يقول: حلينا المشكلة.. قلت لهم: زيدوا كمية الهرمون وكمية الضوء.. السوق محتاج إلى مزيد من الدواجن.. والمسألة مسألة ذكاء وحسن تدبير..

٭ هذا جنون..

٭ على فكرة - يقول أبومازن - ذكرتني بمهزلة جنون البقر.. هل تعلم يا أستاذ سعيد أن العرب يستوردون عشرين مليون طن من البقر المجنون؟!

ولكن دعني أسألك بحكم كونك فيلسوفاً عاقلاً.. هل هناك بقر مجنون.. وبقر عاقل..؟

ضحك علي حتى استلقى على كرسيه كي يغيظ سعيداً..

٭ صاح سعيد: هذا ظلم.. هذا غش.. إنكم تحشرون بطون الناس بالمرض والعفن.. غش.. ظلم..

- المسألة مسألة رؤوس أموال وليست رؤوس ثيران يا أخ سعيد..

٭ رد سعيد: بعض البشر يتمنى أن يكون له كرش بنصف الكرة الأرضية كي يملأها بما لذ وطاب من الأكل والشراب..

٭ صاح علي: هاه.. لقد توصلت إلى الحقيقة بنفسك.. فالكرة الأرضية يا سيدي الفيلسوف هي كرش ضخمة مليئة بما لذ وطاب من أكل وشراب..


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية