بحث



الخميس 22 جمادى الآخر 1429هـ -26 يونيو2008م - العدد 14612

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ضوء صحفي
العودة إلى القرويه

ممدوح المهيني
    يحلم أهل القرى، في الغالب، بالسفر والاستقرار في المدن الكبيرة. تدفعهم إلى ذلك رغباتهم العميقة بالحصول على فرص وظيفية أفضل، ومن أجل أن يكتسبوا صفات مدنية غير موجودة في قراهم النائية. يبدو هذا التفكير طبيعيا ومنجسماً مع رغبة الإنسان في التطور والتحضر. فالمدنية الحديثة والمتجددة باستمرار ستوفر لهم مثل هذه الفرص. ولكن هذا لا ينطبق على حياتنا هنا. فعلى نحو غريب جدا ونادر تبدو القرى أكثر تحضراً وتطوراً من المدن.

دعونا لا نتحدث عن ناطحات السحب والأسواق الضخمة والمطاعم الفاخرة والقصور المبهرجة والأزياء الحديثة.فمن هذه الزاوية تبدو القرية في السعودية وكأنها تنتمي إلى مرحلة بعيدة.وفي الحقيقة كل النظرة السائدة لدينا لتقييم أهل القرى تنطلق من هذه الزاوية تحديداً. فهم يأكلون في منازلهم ،ويلبسون أزياء قديمة ،ويعيشون في منازل متواضعة. ولكن كل هذه ليس معياراً للتحضر إطلاقاً. خصوصا ،وأن كل هذه الاشياء التي يتفاخر بها أهل المدينة، من الأحذية الجلدية وحتى السيارات اللماعة، هي ليست من إنتاج أيديهم ولا من قيم ثقافتهم.

ولكن معيار التحضر الحقيقي هو المرتبط بالقيم الثقافية التي يؤمن بها الإنسان في داخله وليس البيتزا التي يأكلها أو الشماغ الذي يغطي رأسه. وإذا ماقمنا بمقارنة بين القروي والمدني في مجتمعنا، فإن القروي، وعلى عكس كل مكان آخر في العالم، سيتفوق على المدني. المدينة الواسعة والمتنوعة والحديثة من المفترض أن تنتج اشخاصا متعددين ومتسامحين ويحتضنون أفكاراً أكثر حداثة. على عكس القرية الصغيرة والنائية والمتأخرة التي تنتج شخصيات تفكر بطريقة منعزلة ومؤمنة بفرادتها ومجتمعها الصغير الذي لم ترَ غيره. ولكن كل ذلك انقلب لدينا هنا. مثلاً قضية علاقة الرجل بالمرأة. في القرى تبدو العلاقة أكثر طبيعية وإنسانية. في الحقيقة أنك تشعر أن القرى هي المكان الوحيد الذي يتم التعامل فيه مع المرأة كإنسان. كل ذلك لايتعارض أبداً مع القيم الدينية التي يلتزم بها أهل القرى، ولكنها قيم دينية تصدر من تفكير غير متشكك ومرتاب من هذه العلاقة التي دامت طبيعية ورائعة لعقود طويلة جدا. أما في مجتمع المدينة فإن العلاقة مشبوهة جدا، حتى بين الأقارب. العلاقة بين الرجل والمرأة تحركها طريقة تفكير متأخرة وغير إنسانية وتنطلق من القيم المتخلفة جدا والتي ترى في العلاقة هدفاً للوصول إلى أغراض جنسية. ومن المؤسف أن يحدث هذا حتى مع الأقارب ،ومع الرجال والنساء الذين تجاوزا السبعين. ففي القرى يمكن أن تقابل عجوزاً في السبعين، وتقبل رأسها، احتراماً وتقديراً. ولكن هذا التصرف يعتبر في المدنية تحرشاً.

قيادة المرأة للسيارة تثير جدلاً صاخباً في مجتمع المدينة الذي يجب أن يكون أكثر تحضراً في التعامل معها. حتى نقاش هذا القضية في المدينة يتحول إلى اتهامات وشتائم وتلطيخ سمعة. ولكن هذه القضية التي تعتبر متقدمة جداً على أهل المدينة تبدو قديمة جدا على أهل القرية. ففي قرى كثيرة داخل السعودية تبدو قيادة المرأة مسألة طبيعية ولا تثير أي شقاق أو اتهامات متبادلة. تقوم المرأة بقيادة سيارتها لتقوم بأعمالها، ويتقبل مجتمع القرية ذلك بطريقة راقية ومتحضرة.

في مجتمع القرية الصغير يظهر المسلمون بصورتهم الطيبة والمتسامحة مع الآخرين المختلفين معهم. هناك اعتزاز بدينهم، ولكنهم بذات الوقت يحترمون الآخرين وغير مهووسين بكراهيتهم، لا بالأفعال أو الأقوال. يبدو الاختلاف لديهم طبيعيا، ولا يثير أي قلاقل. ولكن داخل المدينة تنتشر ثقافة الكراهية ونبذ الآخرين، وهناك إصرار على تشويههم وإقصائهم. مجتمع القرية الصغير عميق الإيمان ولكنه غير مؤدلج ولا متعصب أو كاره على الرغم من انعزاله. على العكس من ذلك مجتمع المدينة الغارق في طريقة تفكير انتقائية ومتأخرة وغير متسامحة أبداً.

يمكن أن نرى الفرق واضحا أيضا في الفنون الشعبية، التي تمثل تراثنا الإيجابي والإنساني الذي نحبه. ففي مجتمع المدينة تم سحقها وشيطنتها ولكنها مازالت تحافظ على ألقها وروعتها في مجتمع القرى. عندما تحضر زواجاً في مدينة وقرية تعرف الفرق بين الأشخاص المتحضرين الذين أحبوا تراثهم الحقيقي وبين المتخلفين الذين سحقوه وحطموه بدعوى التحضر.

ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. بل ان المدينة تحاول أن تقوم بتشويه وتلطيخ قيم القرى الرائعة. وفي الحقيقة أنها قامت بذلك بالفعل. فأولاد القرى الذين يرجعون إلى قراهم وهم محملون بقيم المدينة المتخلفة ينجزون الجزء الأكبر من هذه المهمة.في أحدى القرى قام العائدون من المدينة بنقل القيم المتخلفة التي تحكم علاقة الرجال والنساء، وبعد أن كان الرجال والنساء في القرية يرتبطون بعلاقات أخوية وطيبة أصبح ينظر لهم وكأنهم مجرمون وشهوانيون. كذلك تم تصدير قيم التطرف والانغلاق والتعصب وتكريس العداء من المدن إلى القرى.

لحسن الحظ أن مثل هذه الأفكار المدنية المتخلفة لم تصل إلى كل القرى التي حافظ كثير منها على قيمها ،ولم تستطع إفساد الأخلاقيات الرائعة هناك. وبالرغم من سقوط وتشويه قيم قرى عديدة أصبح اهاليها يتحدثون بذات الطريقة المتعصبة والمهووسة التي يتحدث بها أهل المدينة، إلا أن هناك قرى كثيرة حافظت على جوهرها الإنساني والأخلاقي الرائع.

هناك أسباب كثيرة أدت إلى هذه المفارقة الغريبة لكن على أهل المدن الذين لطالما سخروا من أهل القرى وألفوا عليهم الدعابات أن يتعلموا منهم الآن القيم المتحضرة التي يحتاجونها. أكل البيتزا كل يوم لن يجعلك تحترم المرأة أو تتسامح مع المختلفين.

30 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


الشيء الغريب فعلاً هو التفسيرات اللتي استنتجتها من حياة ال "قروي" وحياة ال "مدني" وربطتها بشيء في نفسك وماتمليه عليك أفكارك !
وفقنا الله وإياّك لإتباع الحق وترك الباطل وأن لايزغ قلوبنا بعد إذ هدانا


محمد
ابلاغ
04:44 صباحاً 2008/06/26

 


يمكن أن نرى الفرق واضحا أيضا في الفنون الشعبية، التي تمثل تراثنا الإيجابي والإنساني الذي نحبه. ففي مجتمع المدينة تم سحقها وشيطنتها ولكنها مازالت تحافظ على ألقها وروعتها في مجتمع القرى. عندما تحضر زواجاً في مدينة وقرية تعرف الفرق بين الأشخاص المتحضرين الذين أحبوا تراثهم الحقيقي وبين المتخلفين الذين سحقوه وحطموه بدعوى التحضر
انت تقصد العرضة والسامري والاهازيج... خاطب المفتي العام وهيئة كبار العلماء ..


عزوز
ابلاغ
04:48 صباحاً 2008/06/26

 


إلى متى تكرار اللف والدوران
حول قيادة المرأة للسيارة ؟
وهو أمر
حسمت منعه شرعا
هيئة كبار العلماء
ومفاسده :
الأخلاقية
والأمنية
والاقتصادية
والاجتماعية
لا تخفى إلا على:
مكابر أو صاحب هوى.
حفظ الله نساء المسلمين
ورزقهن الحياء، والحشمة، والعفة
وأبعدهن عن مضلات الفتن
ماظهر منها ومابطن.
اللهم ارزقنا
اتباع الحق واجتناب الباطل.


حُب الخير للغير
ابلاغ
05:23 صباحاً 2008/06/26

 


تناقض كبير في تفكيرك و اراءك من خلال ما تطرحة هنا -- موضوعك اليوم يناقف ما سطره قلمك من خلال موضوعك عن بنات المملكة و الفيصلية - لا اعرف كيف تفكر و لا كيف تبني وجهة نظرك -- و لكن هذا غير مستغرب من كاتب في بداية المشوار يتلمس الطريق الصحيح و يبني فكره و اراءه -- ارجو لك التوفيق في تلمس طريق النجاح -- و لا يعتبر التعثر في البداية سقوط او فشل بل هو التوفيق بعينه في ايجاد اساس قوي من الخبرة المؤدية في النهاية الى النجاح


إبراهيم ناصر - استراليا
ابلاغ
06:39 صباحاً 2008/06/26

 


لأني قروي سأكون أول المتفاعلين :
1 قيادة المرأة عندنا ليست صحيحة بإطلاق بل لمسافات قليلة ولعدم الرجل حتى أن البعض يجعلها ذم على جيران من تقود أمرأتهم السيارة
2 ومن الأسباب أننا لم تتغير ثقافتنا بثقافات غربية وافدة تنفر منها حتى بهائمنا
3 علاقة المرأة بالرجل عندنا حساسة، ومدار الذم للمرأة في ثقافتنا القروية يرجع إلى (خفة الرجل -بالكسر) أي كلما خفت قدم المرأة بالخروج تعرضت للذم
4 التسامح بيننا موجود لكن من أمثلتنا (مايصفي الماء إلا بعد خض أي رج)


ابن هرماس
ابلاغ
07:16 صباحاً 2008/06/26

 


فعلا صادق في كل حرف كتبته اصبح الناس تقيس التحضر بالبس والاكل والسكن ونسوا اهم شي الالتزام بالمبادئ الانسانيه اشكرك علىمقالك الي اكثر من رائع


اشواق العتيبي
ابلاغ
07:17 صباحاً 2008/06/26

 


مقال جدا ممتاز بارك الله في جهودك


سلمى
ابلاغ
07:19 صباحاً 2008/06/26

 


ممدوح انت رائع
اعتقد اننا على موعد مع كاتب وطني مرموق ( كبير ) اسمة ممدوح المهيني
بالفعل تقرأ المجتمع بطريقة فريدة وخاصة !


حمد البديعة
ابلاغ
07:45 صباحاً 2008/06/26

 


والله صادق في كل العالم اهل الريف كويسين ومحترمين ويحترمو الى بزوهم اما اهل المدن اعوذو با الله حقد وكره ونصابين كمان وبحبو التفاخر ولو كدب


عاشق اسماء
ابلاغ
07:53 صباحاً 2008/06/26

 10 


موضوع يستحق ان يقال عنه اكثر من رائع فأنت بحديثك وضعت يدك على الجرح وشخصت حالة المرضية المتفشية في المدن. أشكرك واتمنى المزيد من كتاباتك الجميله والهادفة.


المعتصم بالله
ابلاغ
08:11 صباحاً 2008/06/26

 11 


همم
أحتاج لأكثر من 500 حرف لأقول شئ مما لدي..
إجمالا, أتفق معك بنقاط متفرقة
لقد وظفت الموضوع و ربطت نقاط متعددة بأسلوب بحق ذكي.. أبهرني
ممكن أضيف نقطة لموضوعك فعلا لطالما أرهقتني بالدهشة:
تفوق طلاب القرى الفاذ أحيانا في الدراسة
حتى على ذويهم من سكان المدن
الذين كرسوا عمرا و جهدا لا بأس به منذ نعومة أظافرهم لنفس ما حمل القروي عناء تحقيقه لوحده
تمعن فيمن حولك.. سترى حتما أني مصيبة
(-:


Marimba Rhythm
ابلاغ
09:06 صباحاً 2008/06/26

 12 


رائع جدا إبداع موضوع متألق
الفكرة من المقال رائعة جدا جدا وصائبة وواقعية
لكن مع اعتراضي بشدة على الأمثلة التي اخترتها اخي لما يلي:
1) علاقة الرجل بالمرأة (حساسة جدا جدا) ولا مجال للحضارة فيها، بل المجال واسع للشيطان فالحضارة بينهما حقيقة هي (التمسك بتعاليم الإسلام)(لم توفق في هذا المثال)
2) قيادة المرأة للسيارة (قضية شائكة اجتماعيا لأبعد حد) وتطرقك لها هنا قد يوهم البعض أنك ترمي إلى أهداف بعيدة وأنك من المؤيدين للفكرة أي أنها في المقال ليست (مجرد مثال)
ختاما، القرويين أرقى لتمسكهم بالدين


رامي
ابلاغ
10:04 صباحاً 2008/06/26

 13 


يقول الله عز وجل (ستكتب شهادتهم ويسألون )
هدانا الله واياك الى طريق الحق


فارس استراليا
ابلاغ
10:55 صباحاً 2008/06/26

 14 


قرويه ولا...مدنيه بها الحب..تجاره !!!
والجريمه مهنه .؟!!!


{ بدر أباالعلا }
ابلاغ
10:55 صباحاً 2008/06/26

 15 


الشيء الغريب فعلاً هو التفسيرات اللتي استنتجتها من حياة ال "قروي" وحياة ال "مدني" وربطتها بشيء في نفسك وماتمليه عليك أفكارك !
وفقنا الله وإياّك لإتباع الحق وترك الباطل وأن لايزغ قلوبنا بعد إذ هدانا


أبوراشد
ابلاغ
11:11 صباحاً 2008/06/26

 16 


انا عشت في القرية ثم المدينة.. ووالله ما احلى عيش القرية واكرم اهلها واصدق مشاعرا والناس متقاربين ومنسجمين
اما المدينة فهو مجتمع مادي ومتفرق ويحمل العادات الغير مقبولة


أبو محمد
ابلاغ
11:39 صباحاً 2008/06/26

 17 


ومن قال إنه عادي إنك تقبل امرأة سبعينية في القرية ؟؟
الله عزوجل لم يفرق بين الشابة والعجوز إلا في وضع حجاب الوجه فقط:"والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن".
ولم يبح لغير محارمهن لمسهن وتقبيل رؤوسهن؟


خالد
ابلاغ
11:54 صباحاً 2008/06/26

 18 


مقال جدا ممتاز بارك الله في جهودك


خالد بن محمد
ابلاغ
01:31 مساءً 2008/06/26

 19 


سوف اشد الرحال وأعيش بقية العمر في قريتي التي لاينقصها شي عن مافي المدينة الاسفلت الى باب البيت وكذلك الكهرباء والتلفون الثابت والجوال ويكفي انك بين اهلك وناسك ولاتنسى الطبيعة البكر والزراعة نعم سوف ازرع ارضي من جديد الله يعين على كم سنة وتنقاعد 0


ابوعلي
ابلاغ
02:16 مساءً 2008/06/26

 20 


مفعم بالاحساس مقالك وبالمشاعر الراقيه كالعادة ياممدوح
كلما عدنا الى القرية عدنا الى البراءة واقتربنا منها اكثر فاكثر
والعكس صحيح بالنسبة للمدينة والمدنية
اتابع بعض التعليقات وازداد الما لمااراه من اسطر وكلمات تركت الغرض والهدف الاساسي من المقال وتفرغت لشخص صاحب المقال ؟!!!
ان اخطر مايمكن ان يسمح به الانسان ان يحدث لعقله هو ان يسمح للاخرين ببرمجته وادلجته فكريا بل حتى ثقافيا ليكون بذلك حكما وقاضيا على الاخرين ويقفز فوق عقولهم وضمائرهم
حبي للجميع


سعيد القحطاني-الرياض
ابلاغ
02:24 مساءً 2008/06/26



  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية